اقرأ أيضًا

سيرة وقصة الصحابي "عروة بن الزبير" في الصبر

سيرة وقصة عروة بن الزبير 

تعد سير الصحابة والتابعين من أبرز وأهم السير التي يجب على المسلمين التعرف عليها لما قدمه هؤلاء الصحابة في حياتهم من عبر وأمثال عن الشجاعة والتفاني في خدمة الإسلام والمسلمين، فقد كانت حياتهم بأكملها وما تتضمنه من سلوكيات وتصرفات وأفعال تسعي لهدف واحد وهو رقي الإسلام وتطبيق شرائعه وفرائضه على أفضل وأمثل طريقة وفق ما وضحها رسول الله صلي الله عليه وسلم. بالتالي فإن التعرف على حياة التابعين عن قرب يمثل أهمية كبيرة للغاية، لما تقدمه حياتهم من تطبيق عملي لما شرعه الله وفسره ووضحه رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم، كذلك فإنهم يمثلون هوية التاريخ الإسلامي التي يجب على المسلمين التمسك بها، ويعد التابعي "عروة بن الزبير" أحد أبرز الأمثال من النماذج الإسلامية التي قدمت حياتهم بأكمله في خدمة الإسلام من خلال التفاني في طلب العلم وتقديمه للمسلمين لكي ينتفعوا به بالتالي فإن دراسة حياته عن قرب يعد ذا قيمة كبيرة.

ولقد قمت باختيار هذا التابعي بالتحديد وهو "عروة بن الزبير" لدوره الكبير كأحد فقهاء المدينة الذين لجأ إليهم الناس في حياته للتعرف على أمور دينهم، كذلك كانت حياته مثال للعبادة الصحيحة لله عز وجل، وللكرم والصبر والإخلاص والتفاني في خدمة الإسلام ونشره ونقل تعاليمه بصورة صحيحة للمسلمين. وسوف أقوم من خلال هذا البحث بالتعرف على حياة التابعي "عروة بن الزبير" عن قرب من خلال التعرف على نسبه وعلمه وعبادته وصفاته الشخصية التي ساهمت في وصوله لتلك الدرجة من المنزلة في الإسلام والرقي في طلب العلم والعمل به، وكذلك في صبره على الابتلاء من الله سبحانه وتعالي.


نسب الصحابي عروة بن الزبير:

في البداية أود التأكيد أن النسب مع وجود المعصية من الشخص فلا قيمة له على الأطلاق، فهناك العديد من الأشخاص ذوي النسب العظيم ولكنهم يرتكبون أعظم المعاصي والكبائر التي جلعت نسبهم بلا قيمة أو أهمية، ولكن عندما يجتمع النسب مع توافر الايمان في الشخص يصبه هذا النسب تاج فوق رأسه يتوجه بالإيمان بالله سبحانه وتعالي، ونسب عروة هو: 

إن أبيه هو "الزبير بن العوام" حواري رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من أوائل المجاهدين في سبيل الله، وكانت أمه هي السيدة "أسماء بنت أبي بكر" والملقبة بذات النطاقين، وجده هو سيدنا "أبو بكر الصديق" رضي الله عنه، صاحب وخليفة رسول الله في حياته، وجدته لأبيه هي السيدة "صفية بنت عبد المطلب" عمة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وخالته هي أم المؤمنين "عائشة" رضي الله عنها، بالتالي فإن نسب عروة الزبير من أرقي وأشرف ما يكون بالنسبة لأي شخص. 


صفات الصحابي عروة بن الزبير الشخصية:

كانت صفات سيدنا عروة بن الزبير من صغره عديدة ولكني أود التركيز على بعض تلك الصفات لما لها من أهمية كبيرة في حياته في المستقبل، وتلك الصفات هي الشجاعة والرغبة في العلم والتطلع نحو خدمة الإسلام والمسلمين، ومن أبرز المواقف التي تدل على شجاعته هو أنه في أحد الأيام حيث كان عروة يقف في الطريق مع بعض أخويه وباقي الأطفال حتى مر بهم سيدنا "عمر بن الخطاب" فهرب باقي الأطفال من المكان خوفاً منه ولكن سيدنا عروة لم يهرب ووقف في مكانه "فسأله سيدنا عمر عن سبب عدم هروبه مثل باقي الأطفال، فكان جوابه أـنه لم يفعل شيئاً خاطئاً لكي يهرب أو يخشي عقابك وأن الطريق يسع لكل منهما. لقد كانت أحلام عروة هي أن يكون عالم من علماء المسلمين يأخذ الناس عنه الكتاب والسنة النبوية وأحكام وتعاليم الدين الإسلامي بصورة صحيحة وفق ما بلغها رسول الله صلي الله عليه وسلم، وأن يفوز برضا الله وبجنته. 


كرم عروة بن الزبير:

كان عروة بن الزبير رضي الله عنه يتميز بالكرم والجود الكبير، ومن أبرز الأمور التي تدل على هذا الكرم والجود هو أنه كان يمتلك بستان في المدينة وهو من أعظم وأكبر بساتينها وذلك لعذب مياهه وظليل أشجاره ونخله الباسق، ولقد كان يسور هذا البستان بسور يحيط به بالكامل لحمايته من أذى الماشية وعبث الصبية الصغار، ولقد كان عروة يقوم عند رطب وينع الأثمار في البستان بكسر الحائط الذي كان يحيط بالستان من مختلف الجوانب لكي يدخل الناس إلى البستان ويأكلون ويحصلوا على ما يشتهون من ثماره ووفق ما طاب لهم أن يحملوا منه. لقد كان سيدنا عروة بن الزبير يتبع المقولة التي تقول إن كنت كريماً فإن الله أكرم منك، فكان كرمه لا حدود له رغباً وسعياً منه في الحصول على كرم الله في حياته وعلمه ومنزلته عند الله عز وجل.


عبادة عروة بن الزبير وورعه:

لقد حرص عروة أن يجمع بين العلم والعمل به، فكان يقوم الليل في كافة الليالي ما عدا الليلة الوحيدة التي ترك فيها قيام الليل وهي الليلة التي تم قطع رجله فيها، كما كان دائم الحرص على الصيام، لسانه دائماً رطباً بذكر الله سبحانه وتعالي، مصاحباً لكتاب الله لا يفارقه كما كان حافظاً له، كما كان عروة يتقن صلاته على أفضل ما يكون كذلك فقد كان يطيل في الصلاة لكي يستمتع بعبادته لله عز وجل.


صبر عروة بن الزبير على الابتلاء:

لقد كان صبر سيدنا عروة بن الزبير على الابتلاء كبير بحجم هذا الابتلاء، فقد توفي ابنه الأكبر عندما كان في عروة وابنه في زيارة للخليفة الوليد، حيث قامت أحد الجياد برمح ابن عروة بضربة قاضية أودت بحياته، فكان منه إلى أن صبر واحتسبه عند الله، وما أن لم يهدأ عروة من وفاة أبنه الأكبر إلا أن أصيبت إحدى قدميه بأحد الأمراض الخطيرة التي تسببت في توره قدميه بصورة كبيرة واشتد الورم وامتد في ساقه فأجمع الأطباء على ضرورة قطع ساقه عروة لكي لا ينتشر الورم في باقي الجسد ويؤدي لوفاته وأنه لا توجد أي وسيلة لأخرى لعلاج قدمه سوي أن يقوموا ببتر الساق. فأشار إليه الأطباء بأن يشرب جرعة من الخمر لكيلا يشعر بالألم عند عملية بتر ساقه، ولكنه رفض بصورة تماماً هذا الأمر، وقال للأطباء أنه سوف يكتفي بالذكر والتسبيح لكي يتحمل هذا الألم، وبالفعل تم بتر ساقه بواسطة المنشار فتحمل الألم وصبر بعد ذلك وشكر الله.


علم الصحابي عروة بن الزبير:

لقد سعي عروة بن الزبير لطلب العلم إلى أن أصبح أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يلجأ الناس إليهم لكي يتعلموا ويتعرفوا على أمور وأحكام دينهم، ولقد كان من أشهر علماء مدرسة الحجاز وهي مدرسة يطلق عليها أيضاً اسم مدرسة الأثر لاعتمادها على الأحاديث والأثر، ولقد كان عروة يعتني بصورة كبيرة بأبواب الفقه حيث كان يقوم بترتيبها في الدروس التي يلقيها بترتيب موضوعي، وكان دائم حث طلبته على الحفظ والتأكد مما يقومون بحفظه لكي يثبت العلم والقرآن في قلوبهم وعقولهم. ومن الأمور التي كان ينتبه لها عروة هو الاختلاف في عقول الأشخاص الذين يقومون بسماعه، فكان عروة يحدثهم وفق ما يستوعبه عقولهم وكان يتبع الحديث والأثر في كلامه حتى يبرهن للناس على صدق حديثه. 


عناية عروة بن الزبير بالكتابة والتوثيق:

كان عروة بن الزبير دائم الحث لتلاميذه وأولاده على الكتابة والتوثيق، ولقد كان أبناء عروة يقومون بنسخ كتب والدهم وكان يأمرهم بأن يطابقوا النسخ مع الأصل لكي يتأكدوا من صحة المنقول وعدم وجود أي أخطاء به، ولقد تميز أسلوب عروة في الكتابة بالوضوح المباشر في عرض الأفكار التي يقوم بكتابتها والسلاسة والحيوية والبعد عن محاولة التأثير والمبالغة، كذلك فقد كان يقوم في العديد من الأحيان بذكر تمهيد بسيط عن الموضوع الذي سوف يقوم بالكتابة عنه لكي يوضحه بصورة أكبر، وأيضاً لكي يضع الموضوع في موضعه التاريخي ويجعل الأحاديث متصلة ومسلسلة.


العلوم والفنون التي اشتهر بها عروة بن الزبير:

لقد اشتهر عروة بن الزبير بالعديد من العلوم التي تميز بها عن غيره من الأشخاص في زمانه، فهو إمام في الفقه والحديث والفتوي والمغازي، وأيضاً في علم النسب والشعر، ولقد اشتهر عروة بالزهد والروع، ولقد عصمه الله عز وجل من الوقوع في الفتن التي حدثت في عصره، فاجتمع عليه كافة الناس من الموافقين والمخالفين على صلاحه وابتعاده عن الوقوع في الفتن، ولقد من الله عليه بأن نور بصيرته بالعلم الذي يوجد في قلبه وعقله والذي ساعده على الابتعاد عن تلك الفتن وتجنبها والوقوف في جانب الحق والثبات على نشر تعاليم وأحكام الدين الإسلامي بدون أي أهواء أو رغبات دنيوية وأن يكون طريق الله هو الطريق الوحيد الذي يسير عليه في الدنيا.


مؤلفات الصحابي عروة بن الزبير:

من الثابت أن عروة بن الزبير كان يمتلك بعض الكتب الفقيه التي قام بتأليفها ولكنه قام بحرقها جميعاً لكره أن يكون لديه كتاب سوي القرآن الكريم، ولكنه ندم بعد ذلك على هذا الأمر بصورة كبيرة، ولقد قام بعد ذلك بتأليف مصنفه في المغازي وهو يعد أول من قام بتأليف كتاب في المغازي، ولقد كان السبب الرئيسي الذي دفعه لتأليف الكتاب هي الأسئلة التي كان يوجهها له خليفة المسلمين "عبد الملك بن مروان" عن سيرة النبي صلي الله عليه وسلم والحوادث التي وقعت في حياة النبي وقتها. 

ولقد استفاد عروة بن الزبير من أمه أسماء بن أبي بكر رضي الله عنها، وخالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وعدد كثير من الصحابة في المعلومات التي قام بذكرها حول سيرة النبي صلي الله عليه وسلم والصحابة خلال فترة حياة رسول الله بأكملها، وما حدث بها من أحداث ومواقف وكيفية تصرف رسول الله صلي الله عليه وسلم فيها، وموقف الصحابة من الدعوة في بدايتها وخلال مراحلها المختلفة في حياة رسول الله صلي الله عليه وسلم. 


وقد كانت المنهجية التي اتبعها عروة بن الزبير في مؤلفاته في الآتي: 

1- كان يهمل الإسناد في بعض الروايات التي يذكرها نتيجة لحصره، ولكنه كان يقوم بذكرها في روايات أخرى، كما أنه كان لا يذكر الأسانيد في كل جزئية بل كان يقوم بذكرها حين كانت تشتمل على تشريعات. 

2- كان دائم الاستشهاد بالآيات القرآنية. 

3- كان فائق العناية بالتوثيق، فقد قام بذكر نصوص الرسائل التي أرسلها رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى الكثير من المدن والقبائل. 

4- قام بورد بعض الأبيات الشعرية في بعض رواياته. 

5- اهتم بصورة كبيرة بالأنساب في كتابه المغازي في سيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم.


معلومات وحقائق ملخصة عن عروة بن الزبير:

1- لقد امتلك عروة بن الزبير من الصفات في شخصيته منذ صغره ما جعله يعلم أن الطريق الصحيح في الحياة هو طلب العلم والعمل به والسعي نحو نشره بدون أي أهواء أو أطماع لأنه السبيل الأمثل للمسلم لدخول الجنة. 

2- إن عروة بن الزبير هو أول من قام بكتابة وتوثيق السيرة النبوية الشريفة في كتابه المغازي. 

3- استفاد عروة بن الزبير من علمه في حياته بصورة كبيرة، فقد صبر على الابتلاءات التي وضعه الله فيها، وكذلك في تجنب الوقوع في الفتن التي ظهرت في عصره. 

4- تميز عروة بن الزبير الكرم والجود الكبير وهو ما ظهر بوضوح فيما كان يفعله في البستان الذي كان يملكه في المدينة والذي كان يجعل ثماره بالكامل لكي يأكل منها الناس ويحملوا ما يشاؤون منه وفق رغبتهم وسعتهم. 

5- لم يسعي عروة للحكم أو الملك على الرغم من تقربه الكبير بالخليفة "عبد الملك بن مروان" ولكنه لم يطلب منه ولو لمرة واحدة بأن يبكون حاكمن على أحد المدن أو القري الإسلامية، ولكن طلب العلم ونشره كان هو الغاية الوحيدة له في الحياة الدنيا. 

6- ساهم اتباع عروة منهجية في مؤلفاته تقوم على التوثيق عند عرض الأحداث والوقائع ساهم في دقة وعلمية المؤلفات التي قام بها وخاصة كتاب المغازي عن سيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم. 

7- من أبرز الأمثلة التي تدل على روع وحسن عبادة عروة بن الزبير هو رفضه تناول الخمر عند قيام الأطباء ببتر ساقه، ولكن اكتفي بالذكر والتسبيح ليؤكد للناس أجمعين أنه صابر على ابتلاء الله عز وجل له، وأنه لن يقوم بمعصيته لكي يتحمل ألم جسده في الدنيا. 

8- ساهم نسب عروة بن الزبير في معرفته الكثير من المعلومات عن الوقائع والأحداث التي وقعت في حياة رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقام بذكرها في كتابه المغازي بصورة دقيقة وواضحة. 


المراجع:

1. خليف عبود الطائي، الجوانب الاقتصادية في كتاب مغازي رسل الله صلي الله عليه وسلم لعروة بن الزبير، مجلة مداد الآداب، العدد الخامس، الجامعة العراقية. 
2. محمد مصطفي الأعظمي، مقدمة كتاب مغازي رسول الله لعروة بن الزبير، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، 1981. 
3. أبو إسحاق الشيرازي، إبراهيم بن علي، طبقات الفقهاء، دار الرائد العربي، بيروت، 1981. 
4. أحمد مراد، عروة بن الزبير.. أول من كتب السيرة النبوية، جريدة الاتحاد، الإمارات، عدد مايو، 2018. 
5. القاسم بن سلام أبو عبيد، كتاب الأموال، تحقيق محمد حامد الفقي، القاهرة، 1943. 



سيرة وقصة الصحابي "عروة بن الزبير" في الصبر
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -