اقرأ أيضًا

النزاع الحدودي بين الامارات وإيران

النزاع الحدودي بين الامارات وإيران

هناك العديد من النزاعات الحدودية بين الدول عبر التاريخ سواء حول أراضي أو جزر أو قري، وفي الغالب يسعي كل طرف من أطراف النزاع في السيطرة والسيادة على هذه الأراضي لما تمثله من أهمية سواء عسكرية أو اقتصادية، ومن هذه الحالات في النزاع الحدودي بين الدول، هي حالة النزاع بين دولتي الإمارات وإيران حول الجزر الثلاث وهي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسي، ولا يزال هذا الصراع مستمر حتى الان مع العلم أن دولة إيران هي التي تسيطر عسكرياً على تلك الجزر الثلاث، وتقوم بالعديد من المناورات العسكرية في تلك المنطقة، وتستغل الموقع الجغرافي للجزر في التهديد السياسي والاقتصادي لدول الخليج العربي. حيث أن أهم ما يميز تلك الجزر أنها تشرف على مضيق هرمز الذي يتحكم في حركة الملاحة البحرية لناقلات النفط من كافة دول الخليج العربي، وهو ما يعطي لها أهمية حيوية لدول الخليج العربي كله. وسوف يناقش هذا البحث توضيح النشأة التاريخية للصراع على تلك الجزر، وما تمثله تلك الجزر الثلاث من أهمية عسكرية واستراتيجية في منطقة الخليج العربي، كما سوف أوضح الموقف العام لكل من دولة الإمارات ودولة إيران حول تلك القضية، وما هي الأسانيد التي يعتمد عليها كل طرف في اثبات حقه للجزيرة. 


معلومات أساسية عن الثلاثة جزر: 

الموقع الجغرافي لكل جزيرة 

1- جزيرة طنب الكبرى: تبلغ مساحتها حوالي 9 كيلو متر مربع، وهي تقع شرق الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز، وهي تبعد ما يقرب من 30 كيلو متر عن إمارة رأس الخيمة، حيث كانت الجزيرة تابعة لها قبل تأسيس دولة الامارات العربية المتحدة، ولقد قامت إيران بالاستيلاء عليها في تاريخ 30 نوفمبر 1971، وكان ذلك بعد أيام قليلة من انسحاب القوات البريطانية منها، وكان عدد السكان الذي يسكن المدينة في هذا التوقيت لا يتعدى 300 فرد، وكانت معيشتهم تقوم على صيد السمك ورعي الماشية. 

2- جزيرة طنب الصغرى: وتبعد حوالي 12 كيلو متر غرب جزيرة طنب الكبرى، وتبلغ مساحتها حوالي 2 كيلو متر مربع، وهي ذات طبيعة رملية وصخرية، ولا تتوافر بها مياه صالحة للشرب، وتتكاثر بها الطيور البرية والبحرية، وعندما استولت عليها إيران وذلك في نفس توقيت الاستيلاء على جزيرة طنب الصغرى، كانت هناك أسرة واحدة تعيش بها، وكذلك الحال فإنها كانت تتبع إمارة رأي الخيمة. 

3- جزيرة أبو موسي: هي أكبر جزيرة في الجزر الثلاثة، وتبلغ مساحتها حوالي 20 كيلو متر مربع، وتقع على بعد حوالي عشرين كيلو متر من جزيرة طنب الكبرى، وحوالي على بعد 43 كيلو متر من شاطئ الامارات، وحوالي 67 كيلو متر من شاطئ إيران، وكان يبلغ عدد سكان الجزيرة ما يقرب من ألف شخص يعيشون على مهنة صيد السمك، وأهم ما يميز هذا الجزيرة عن باقي الجزر هي أن مياهها العميقة صالحة لرسو السفن، كما أنها غنية بمعدن أوكسيد الحديد. 


الأهمية الاستراتيجية للجزر الثلاثة:

تمتلك الجزر الثلاث أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة للغاية وذلك على الرغم من صغر مساحتها، وتتمثل تلك الأهمية في موقعها الذي يوجد بالقرب من الممرات الآمنة للملاحة البحرية لمنطقة الخليج العربي. 

إن من يتحكم في هذه الجزر يستطيع السيطرة على حركة المرور في مياه الخليج العربي، وذلك لأن تلك الجزر تشرف على مضيق هرمز والذي يمر عبره بصورة يومية ما يقرب من 40% من الإنتاج العالمي من النفط، كما أن هذا المضيق يربط بين خليج عُمان والخليج العربي، والذي يعد المعبر إلى المحيط الهندي. 

وبحكم الموقع الجغرافي لهذه الجزر، وطبيعة مياهها وسواحلها، فأنها تعتبر منطقة جغرافية متميزة لإقامة منشآت عسكرية بها، يمكن من خلالها الرقابة العسكرية على السفن التي تمر عبر الخليج العربي. وبما تمتلكه تلك الجزر من ثروات طبيعية تتمثل في البترول وأكسيد الحديد وكبريتات الحديد والكبريت، فإنها تمثل أضافة اقتصادية كبيرة للدولة التي تسيطر عليها. 


نشأة الصراع بين الإمارات وإيران:

كانت تلك الجزر الثلاث ضمن معاهدة الحماية بين الحكام في منطقة الخليج العربي وبين بريطانيا، ولكن دائماً وأبداً ما كانت تلك الجزر الثلاث موضع اهتمام من إيران للسيطرة على تلك الجزر، ولقد قامت بالعديد من المحاولات لاحتلالها ولكنها فسلت في تلك المحاولات، وهي أعوام (1904، 1923، 1963)، وتجددت تلك الآمال لديها في السيطرة على تلك الجزر عندما قررت بريطانيا الانسحاب من منطقة الخليج العربي وذلك عام 1968م. 

حاولت إيران في البداية إقناع حاكم رأس الخيمة وقتها وهو الشيخ صقر بن سلطان القاسمي، بأن تقوم بشراء أو تأجير جزيرة طنب الكبرى وطنب الصغرى، ولكن كافة تلك المحاولات رفضت بشدة من حاكم إمارة رأس الخيمة. أما بالنسبة لحاكم إمارة الشارقة وقتها الشيخ خالد القاسمي، فقد وافق على توقيع مذكرة تفاهم مع إيران برعاية بريطانيا، وذلك عام 1971م، وكانت تنص هذه الاتفاقية على تقاسم السيادة على الجزيرة أبو موسي، على أن يكون الجزء الشمالي للجزيرة تابع لسيادة إيران والجزء الجنوبي للجزيرة تابع لسيادة الشارقة، ويتم تقسيم عائدات النفط بينهما. 

وفي يوم 30 نوفمبر 1971، قامت قوات عسكرية إيرانية باحتلال جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وهو ما تسبب في مقتل بعض من رجال الشرطة والمدنيين، وتهجير حوالي 200 عائلة، وقامت بنشر قوات عسكرية في نصف جزيرة أبو موسي وذلك ضمن الاتفاقية التي وقعتها مع حاكم إمارة الشارقة. ومع إعلان اتحاد الامارات والمكون من إمارة أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان والفجيرة وأم القيوين وذلك عام 1971، ومع انضمام إمارة رأس الخيمة إلى هذا الاتحاد، أصبحت قضية احتلال إيران لتلك الجزر قضية تخص الامارات بالكامل. 

وفيما يتعلق بجزيرة أبو موسي استمرت اتفاقية تقاسم السيادة بين إيران وإمارة رأس الخيمة لعام 1992، حتى قررت إيران توسيع التواجد العسكري لها على الجزيرة، فقاموا بوضع صواريخ مضادة للسفن بها، وقاموا بإنشاء قاعدة للحرس الثوري بها، بالإضافة إلى فيلق بحري. ومنذ هذا التوقيت بدأت بمضايقات كبيرة على حركة الدخول والخروج للسكان الإماراتيين للجزيرة، فلا يتم السماح لأي شخص يغادر الجزر لمدة ستة أشهر من دخولها ثانية، ويمنع على أي شخص الدخول إلى الجزيرة بدون أي تأشيرة إيرانية، وقامت إيران بتخيير سكان الجزيرة ما بين الحصول على الجنسية الإيرانية او الطرد من الجزيرة، كما تم منع الصيد في مياه الجزيرة إلا بتصريح من السلطات الإيرانية. 

وخلال الفترة ما بين عامي 1992 و1999، قامت الحكومة الإيرانية بتوسيع تواجدها على الجزيرة فأنشت مطار في جزيرة أبو موسي، وسرت خط جوي بينها وبين مدينة بندر عباس الإيرانية، وقام وزير الداخلية الإيراني بافتتاح بلدية على الجزيرة. وفي عام 2012 قامت إيران بالإعلان عن محافظة جديدة وأطلقت عليها" خليج فارس" وعاصمة تلك المحافظة هي جزيرة أبو موسي، وقامت بالسماح لعدد من شركات السياحة الإيرانية بتنظيم رحلات إلى تلك الجزر الثلاث، ولقد قامت بالعديد من المناورات والتدريبات العسكرية على تلك الجزر الثلاث والمياه المحيطة بها. ولقد اعترضت الإمارات على هذا الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث، وقامت بالعديد من الحملات الدبلوماسية ضد إيران، ولكن الحال لم يتغير إلى الآن، وما زالت السيطرة على تلك الجزر لإيران. 


الموقف العام للطرفين الإيراني والإماراتي:

أولاً: الجانب الإيراني 

يتمسك الجانب الإيراني بسيادته على الجزر الثلاث، ويزعم أنها دائماً ما كانت تحت سيطرته حتى خلال الفترة التي كانت بريطانيا موجودة في الخليج العربي، وأن هذه الجزر هي جزء لا يتجزأ من أراضيها عبر التاريخ، وأنها لن تتنازل عن هذه الجزر مهما كانت الأسباب، وأن الاتفاقية التي وقعتها مع إمارة الشارقة عام 1971م هي مُلزمة لاتحاد الإمارات. 


ثانياً: الجانب الإماراتي 

تقول الإمارات أن الجزر الثلاث تنتمي لها بحكم التاريخ والقانون، وأن الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث هو احتلال غير شرعي وغير إسلامي، وأن التشدد الإيراني تجاه الجزر الثلاث زاد بشدة عندما تحولت إيران إلى دولة إسلامية، وذلك أكثر من النظام الإيراني في حكم الشاه، وتوضح الإمارات أن إيران قبلت بالتحكيم الدولي على الجزر الثلاث، ولكنها رفضته بعد ذلك. 

وتستند الإمارات في ملكيتها للجزر الثلاث بأن كافة الوثائق والمراسلات الرسمية خلال التواجد البريطاني في الخليج العربي تدل أن تلك الجزر كانت تابعة لإمارات التي اتحدت بعد ذلك لتكون الاتحاد الاماراتي. ولقد قامت العديد من الدول بالتدخل لحل النزاع بين الطرفين على تلك الجزر، مثل دولة سوريا ودولة قطر، ولكن كافة تلك المحاولات فشلت، لاختلاف الطرفين على الاتفاق حول أحقية السيادة على تلك الجزر. 


الخاتمة:

إن قضية النزاع الحدودي بين الإمارات وإيران حول الجزر الثلاث، هي أحد القضايا الهامة لكافة دول الخليج العربي، لما يمثله الموقع الجغرافي لتلك الجزر على أمن الخليج العربي، وذلك لوقوعها على مضييق هرمز المشرف على حركة الملاحة البحرية لناقلات النفط لدول الخليج العربي. على الرغم من كافة المحاولات التي قامت بها العديد من الدول العربية لتسوية النزاع بين الطرفين إلا أن تمسك كل من الدولتين بموقفه تجاه الجزر الثلاث، أدي إلى فشل تلك المحاولات. في النهاية يمكن القول بوضوح أن السبب الرئيسي لسيطرة إيران على الجزر الثلاث هو التفوق العسكري الإيراني الكبير على دول الخليج العربي، ومنها دولة الإمارات، كما أن قدرتها على مواجهة أي ضغوط من الدول الكبرى في العالم تجاه هذه القضية، مثل ضغوط الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفائها على إيران. إن الطريقة الأمثل لحصول الإمارات على حقوقها في تلك الجزر الثلاث هي من خلال التعاون العربي المشترك ضد إيران، والضغط عليها سواء من الناحية الاقتصادية أو العسكرية، ولكن الغريب في الأمر والمثير للدهشة بشدة، أن دولة الإمارات هي شريك قوي من الناحية الاقتصادية مع إيران، وتم تصنيفها بأنها أكبر شريك تجاري مع إيران بين كافة دول الخليج العربي. 


المراجع:

1. زهير قاسم محمد، احتلال الجزر العربية الثلاث وأثره على العلاقات الإماراتية-الإيرانية عام 1971، المجلد8، العدد 29، جامعة سامراء، كلية التربية، 2012.
2. مصطفي عبد القادر النجار، التطور التاريخي لقضة الجزر الثلاث في الخليج العربي، منشورات جمعية الدفاع عن الخليج، البصرة، 1980.
3. محمد حسن الزبيدي، موقفنا القومي من قضية الجزر العربية الثلاث، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد، 1980.
4. علي بن ناصر النعيمي، وجه نظر في الخلاف بين دولة الامارات وإيران على الجزر الثلاث، مجلة الحياة، العدد 13213، 1999.


النزاع الحدودي بين الامارات وإيران
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -