اقرأ أيضًا

مجازر الخمير الحمر في كمبوديا

مجازر الخمير الحمر في كمبوديا

شهد العالم العديد من الأنظمة السياسية على مدار التاريخ، وتختلف تلك الأنظمة السياسية في فترة حكمها حسب الطريقة التي تتبعها في الحكم والتعامل مع شعوبها والأقليات التي توجد في الدولة، والمعارضة السياسية لنظام الحكم، وبتعدد وتنوع الأنظمة السياسية نجد ان النظام الديكتاتوري من أسوء الأنظمة التي عرفت على مدار التاريخ كله، وهناك العديد من الأمثلة التي تصف هذا النظام، ومن أشهر تلك الأنظمة الديكتاتورية التي عرفت في التاريخ الإنساني، هو نظام حكم الخمير الحمر في كمبوديا، الذي يعتبر الحزب الشيوعي الأكثر جدلاً على مدار التاريخ. وعند البحث في آراء الباحثين في علم السياسة والاجتماع نجد أن فترة حكم الخمير الحمر من أعنف النظم الدكتاتورية التي عرفت في تاريخ العالم الحديث نظراً للأحداث الدامية التي ارتكبها هذا النظام بالنسبة للشعب الكمبودي والأقلية المسلمة الموجودة في تلك الدولة الصغيرة، ويصفها البعض بأنها الفترة الأكثر غرابة وفظاعة ووحشية على الأطلاق لحجم المجازر التي ارتكبها هذا النظام. 


تأسيس جماعة الخمير الحمر:

وسط الصراع الذي كان محتدماً بين المعسكرين الشرقي والغربي أوائل سبعينات القرن الماضي، عرضت الكثير من الدول الآسيوية لحروب واضطرابات حادة، ومنها دولة كمبوديا. فقد دفعت حملة "القصف السري"، التي قادها ونظم لها الرئيس الأمريكي الأسبق، ريتشارد نيكسون، ووزير الخارجية هنري كيسنجر، إلى انضمام العديد من الوسطيين في دولة كمبوديا إلى جماعة " الخمير الحمر". 


قائد جماعة الخمير الحمر وأهم الؤثرين فيها:

يعتبر "بول مارت" أو الأخ رقم 1 كما يطلق عليه ضمن العديد من الألقاب التي اشتهر بها، هو قائد وزعيم جماعة الخمير الحمر خلال فترة حكمها لدولة كمبوديا، وكان هو العقل المدبر ضمن مجموعة من الأفراد الذين تبنوا كافة عمليات القتل والتعذيب والحرق والتدمير الذي تعرض لها شعب كمبوديا والدولة كلها، بحجة تطبيق النظام الشيوعي الصحيح الذي سيجلب الخلاص للشعب كمبوديا، ولقد صنفه السياسيين بأنه الشخصيات الدكتاتورية الأبشع والأعنف في التاريخ البشري كله، ولقد انتهت فترة حكمه هو ونظامه عندما قرر اجتياح دولة فيتنام، فقام قام الجيش الفيتنامي بسحق قوات الخمير الحمر والسيطرة على كامل الأراضي في دولة كمبوديا، وهرب " بول مارت"، والقادة المقربون له إلى الأدغال، وتوفي "بول مارت" عام 1998، في أحد مخيمات الخمير الحمر، ليغلق أحد أفظع وأبشع الفترات والأنظمة التي عرفها التاريخ الإنساني كله. 

ولقد تولي "كيو سامبهان" قيادة جماعة الخمير الحمر عام 1987، وكان أحد عناصر قيادات جماعة الخمير الحمر والداعمين بشدة لكافة الأفعال التي كانت تقوم بها الجماعة من قتل وتعذيب، وتم القبض عليه وحكم عليه بالسجن مدي الحياة عام 2014.  أما "كاينج جيك إيف" هو أحد قيادات جماعة الخمير الحمر، وكان ضمن المجموعة المقربة من "بول مارت" وتم ألقاء القبض عليه عام 2007، وتم الحكم عليه بالسجن مدي الحياة نتيجة الجرائم والمجازر التي ارتكبها في حق شعب كمبوديا. ويمكن ذكر عدد من الأشخاص الذين كانوا ضمن قيادات جماعة الخمير الحمر وهم: إنج ساري، نون تشي كان "ينج ثريث" وهي أحدي النساء القلائل التي كانت ضمن قيادات الجماعة. 


بداية سيطرة الخمير الحمر على الحكم في كمبوديا:

شهدت دولة كمبوديا حرب أهلية بدأت سنة 1970 واستمرت لمدة 5 أعوام، وبعد مرور تلك الفترة الحرجة من تاريخ الدولة، استطاعت جماعة الخمير الحمر بقيادة زعيمهم " بول مارت " السيطرة على العاصمة " بنوم به " يوم 17 أبريل عام 1975، وكان ذلك التاريخ هو بداية فترة حكم نظام الخمير الحمر، الحزب السياسي الأكثر جدلاً وعنفاً على مدار التاريخ. 
ولقد تزامن خلال تلك الفترة قصف الغارات الجوية الأمريكية على المناطق الحدودية لدولة فيتنام مع كمبوديا، ولقد كان هناك دعم كبير من الولايات المتحدة الأمريكية لجماعة الخمير الحمر من الناحية السياسية، وهو ما ساعد هذا النظام في الحصول على القوة اللزمة لبدء "التجربة الثورية" التي كان الغرض منها تكوين مجتمع شيوعي خالص، مكون من الفلاحين، ولقد كانت تلك بداية اختفاء اسم دولة كمبوديا وحل محلها اسم دولة " كمبوتشيا " الديموقراطية. 


الأيدولوجية التي كانت تقوم عليها جماعة الخمير الحمر:

مع بداية سيطرت الخمير الحمر على كافة أركان الدولة، بدأت المراحل والإجراءات العنيفة للنظام في الظهور على أرض الواقع، وتبينت النوايا الدكتاتورية للنظام الأبشع على مدار التاريخ البشري كله. ولقد شرعت في تنفيذ مخطط أيديولوجي ماركسي غريب الأطوار. بدأت الأحداث بقيام جماعة الحمير الحمر بقتل كافة المسئولين العسكريين للنظام السابق في الدولة، وطرد جميع السكان الموجودين في المدن والذي يقدر بالملايين إلى المناطق الريفية في الدولة، وإجبارهم على العمل في الأراضي الزراعية، وقام النظام بالعديد من الإجراءات العنيفة للغاية والمتمثلة في إلغاء التعامل في النقود، إلغاء التعليم في الدولة وحظره، وتحويل كافة المدارس والجامعات في الدولة إلى سجون لمن يخالف النظام، إلغاء اللغات الأجنبية وحظر التحدث أو التعامل بها.

تم حظر الصيد في الدولة واعتبار مهنة الزراعة هي المهنة الوحيدة في الدولة، وكان نظام العمل في مزارع جماعية تحت إشراف النظام ومدة العمل تتراوح ما بين 12 إلى 14 ساعة يومياً، وكانت الأدوات التي تستخدم في الزراعة هي الأدوات البدائية فقط، وقام نظام الخمير الحمر بحرق الكثير من المنازل في الدولة حتى لا يلجأ إليها الأفراد هرباً من العمل في المزارع، وتم الاعتماد على نظام تغذية ونظام رعاية صحية سيء للغاية، وكانت النتيجة الطبيعية التي حدثت بسبب كل تلك الظروف والعوامل التي اتبعها نظام الخمير الحمر هو مقتل حوالي 3 مليون شخص خلال الفترة ما بين 1975- 1979، أي ما يعادل 25% من سكان كمبوديا وقتها حيث كان يبلغ عدد السكان حوالي 8 ملايين شخص.

وكانت أهم الإجراءات التي اتبعها النظام هو عمليات القتل الجماعي وقلة التغذية المتعمدة وانعدام الرعاية الصحية للشعب كله، وتؤكد كافة منظمات حقوق الإنسان التي كانت في كمبوديا بعد سقوط نظام الخمير الحمر أن عمليات القتل والتعذيب كانت تتم بشكل متواصل بالليل والنهار لمختلف طوائف الشعب الكمبودي على أتفه الأسباب، وكذلك تم العثور على الآلاف من السجون والمعتقلات السرية التي كان يتم تعذيب الأشخاص بها مهما كان عمرهم أو جنسهم، وكذلك تم العثور على أبشع أدوات التعذيب التي كان يستخدمها النظام في عمليات التعذيب والقتل. 


اتجاهات نظام الخمير الحمر الدينية:

لم يكن لهذا النظام الدموي أي اتجاهات سوي القتل والتعذيب، فقام النظام كافة المعابد البوذية والكنائس والمساجد في الدولة وتقدر بحوالي 180 مكان للعبادة، وحظر تام على كافة الشعائر والمعتقدات الدينية في الدولة كلها. كان عدد الأشخاص المسلمين في كمبوديا ما يقرب من 100 إلى 150 ألف شخص، ومع انتهاء نظام الخمير الحمر وسقوطه، تبقي على قيد الحياة من هذا العدد ما يمكن أن يعد على أصابع اليد الواحدة، وهو ما يدل ويعبر بشدة عل الجريمة الإنسانية البشعة التي ارتكبها هذا النظام في حق الشعب الكمبودي، والإنسانية كلها. 


أهم ملامح دولة كمبوديا بعد سقوط نظام الخمير الحمر:

ترك النظام الدولة كلها في حالة من الدمار والخراب الشديد، انهارت وتلاشت كافة مظاهر الحياة في الدولة، أصبح هناك حوالي 142 ألف شخص مُقعد، حوالي 200 ألف شخص يتيم، ما يزيد عن 600 ألف بناية منها ما يقرب من 6000 مدرسة و1000 مستشفى ومركز صحي، تم تحويلها بالكامل إلى معتقلات وحظائر للخنازير. 


الخاتمة:

لقد مرت على البشرية الكثير من الأنظمة السياسية المستبدة التي أدت إلى مجازر تعجز الكلمات على وصفها، ويعتبر نظام جماعة الخمير الحمر من أبشع وأفظع الأنظمة التي تخلي الأفراد المنتمين لها عن إنسانيتهم وقاموا بكافة عمليات القتل والتعذيب التي لا رحمة أو أقل درجات الإنسانية بها، ويعتبر " بول مارت " هو زعيم جماعة الخمير الحمر، ولقد شارك مع عدد من القيادات التي ساعدته على تنفيذ الفكر الشيوعي لجماعة الخمير الحمر، وما ترتب عليه من جرائم ومجازر في حق شعب كمبوديا والإنسانية كلها. وعندما سقط نظام جماعة الخمير الحمر، ظهر للعالم كله الجريمة التي كانت توجد في دولة كمبوديا، وحجم الخراب والتدمير الكبير الذي حدث في تلك الدولة، وتبين للعالم مقتل الملايين وتعرض مئات الآلاف من الأشخاص للتعذيب والإعاقات الجسدية، وانهيار كامل البينة التحتية للدولة وتحول كافة المباني التي توجد في الدولة إلى سجون ومعتقلات. وبعد سقوط نظام جماعة الخمير الحمر هرب زعيمهم مع عدد من قيادات الجماعة حتى توفي عام 1998، وتم القبض على عدد من قيادات الجماعة والحكم عليهم بالسجن مدي الحياة، لتذكر سجلات التاريخ تلك الفترة كأسواء فترات التاريخ الإنساني كله.


مجازر الخمير الحمر في كمبوديا
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-