اقرأ أيضًا

تلخيص ونقد رواية "آنا كارينينا" للكاتب ليو تولستوي

رواية آنا كارينينا للكاتب الروسي ليو تولستوي

إن رواية (أنا كارينينا) التي كتبها الكاتب الروائي الروسي العظيم ليو تولستوي هي واحدة من أهم وأعظم الروايات الاجتماعية في الأدب العالمي حيث شكلت رائعته (آنا كارينينا) في سبعينيات القرن الماضي حيث تلك الفترة المليئة بالتقلبات والإصلاحات نقلة وتوثيق للتغير في المجتمع الذي كان يحاول التمرد على أغلال تقيده على رأسها قوانين الرق، وكان أدب تولستوي بمثابة تعبير حقيقي عما عاناه مثله مثل الكثيرين من تقلبات ظروف هذه المرحلة الانتقالية التي يغلفها يأس وفقدان للأمل عكسته روايته خاصة ما يتعلق بالبلبلة التي يشهدها نظام الأسرة الروسية والتي جعلها محل اهتمامه الأول.


السياق التاريخي لرواية آنا كارينينا:

إن تلك الفترة التاريخية التي تعالجها الرواية تتميز بمحاولة التركيز على طبقة النبلاء والإقطاعيين بما يكتنفها من زيف ورياء وكشف ما نما داخل تلك الأسر من تمرد لبعضهم، وقد كانت آنا كارينينا هي الشخصية الرئيسية في الرواية التي تتمرد وتحب وتعذب ولكن يظل ابنا هو ملكوت لا تقوى على فراقه حتى ولو من أجل حبيبها، ولعل ما ميز الرواية هي وجهات النظر المتناقضة فبينما يرى فرونسكي أن آنا امرأة شريفة تستحق من الاحترام يراها زوجها امرأة بلا شرف وبلا قلب، وفاسدة وبلا دين. نجد أن هذه الرواية تخط السطور الاولي من السيطرة على حياة أوبلنسكي المضطربة "فالزوج حاد عن الصراط" (تولستوي، صفحة 17).

تعتبر هذه الرواية من الروايات الخالدة التي يدور بها احداث تعبر عن الماضي فهي رواية رائعة وهي روية لتولستوي (آنا كارينينا) في السبعينات من القرن الماضي في الفترة التي بات واضحاً فيها عدم جدوى الاصلاحات التي اتخذت في الستينيات بشأن تغيير وضع الفلاحيين (تولستوي صفحة 223). وتمثل الرواية في مجملها وقوف على حياة الإنسان بتقلباتها النفسية والاجتماعية وتغير مشاعره وظروفه بما يؤكد على أن مأساته الحقيقية حين تتكالب عليه كل تلك الظروف وتقف ضد سعادته فتحاصره الظروف والقدر والمجتمع.

آنا كارينينا كزوجة متمردة:

وقد تبين لنا من خلال النقاش الذي دار في الصف وتحليل شخصيات الرواية أن الرواية غنية بالتفاصيل والأحداث لذلك كان تقييم أغلب النقاد والباحثين للرواية وتحديداً شخصية آنا كارينينا يؤكد على أنها نموذج الزوجة المتمردة العاشقة خاصة أن الرواية تكشف جوانب من شخصية الزوج الظالم الجبار الذي لا يستطيع القارئ تحديد موقفه تجاه فهو ظالم ومظلوم في ذات الوقت.

وتتضمن أبرز أفكار (آنا كارينينا) محاولة جمع خيوط الرواية ما بين الخط الأول الرئيسي وهو موضوع العائلة وهي عائلات روسية تدعى (عائلة أوبلنسكي، عائلة كارنين، عائلة ليفين) في حين يمثل الخط الثاني للأحداث ما يدور في مجال نفسي وفكري حيث يمثل التشابك بينهما رسم لصورة الواقع الروسي في السبعينات من القرن التاسع عشر حيث يقوم بتسجيل مجموعة من الملامح حول تلك الحقبة الزمنية.


تعرية آنا كارينينا للواقع الروسي للمرأة:

لقد كشفت الرواية وضع المرأة الروسية التي كان الأدب حينها وسيلة لتحريرها، وكان منزل آل كارنين في صورته الخارجية يظهر بأنه منعم بكل شيء بينما واقعه يؤكد افتقاره إلى أبرز عناصره الجوهرية وهي الحب والتفاهم والوئام، ويوجد بداخل البيت زوجين لكل منهما عالمه الخاص المنغلق على ذاته، فالزوج كارينين شخصية اجتماعية مرموقة غارقة في مشاغلها وعملها بشكل يملأ كل تفكيره، أما آنا الزوجة الجميلة الشابة التي تصغر زوجها بعشرين عاماً تشعر بأنها في عزلة ووحدة في وجود زوجها الذي ينساها في غمرة انشغاله.


زواج بلا حب:

 تزوجت آنا كارينينا زوجها كارينين  بلا حب فعاشت وحدة لا تعني زوجها ويراها أمر يخصها وحدها ما كان دافعاً لها لتبحث عن الحب خارج الزواج بشكل يخالف التقاليد والأعراف وهو ما حاولت الخروج من قيوده بمصارحة زوجها بعلاقتها بفرونسكي لعلها تنهي وحدتها وعذابها ولكن المدهش أن زوجها لم يلق بالا لمصارحتها، فتطرح فكرة الطلاق للخلاص بينما رأى الزوج أن مكانته الاجتماعية تهتز بذلك ويترتب عليه حريتها وزواجها بعشيقها وهو ما لم يكن يريده فاتفق معها على استمرار علاقتهما بشكل طبيعي حتى لا يلحظ أحد تغييرات بينما.


فضيحة آنا كارينينا في الوسط الأرستقراطي:

 تنجرف آنا وراء عاطفتها وحبها الغير شرعي لعشيقها فرونسكي بحيث تصبح قصتها محور حديث المجتمع الأرستقراطي وينتهي الأمر بمعاقبتها من الزوج بالحرمان من ابنها الوحيد، ولكن نهاية آنا كارينينا جاءت تعيسة جداً عندما تنتحر إثر خسارتها كل شيء فحبيبها فرونسكي يمل علاقتهما فيما بعد وقد حرمت بسببه من حياتها وابنها فتقرر أن تلقى ربها وحيدة كما كانت دائما ً، وقد كانت تلك القصة بما تتضمنه من تقلبات هي نموذج غير مألوف في هذا المجتمع الإقطاعي الأرستقراطي الذي يرى ما فعلته آنا خروج عن التقاليد والأعراف وهو ما مثل ضغط شديد عليها جعلها تهرب من تلك الضغوط والتناقضات في الواقع مما دفعها في النهاية للانتحار، وقد استطاع تولستوي من خلال روايته تصوير تلك التناقضات التي يعانيها المجتمع ويستخدم فيها الكاتب بخياله الروائي عنصر التشويق والحبكة لكي تظهر الأحداث الروائية في صورة متكاملة ومتداخلة.


دور بيتسي في سقوط آنا كارينينا أخلاقياً:

تظهر بيتسي (إبنة عم فرونسكي) تلك الشخصية الفرعية في الرواية والتي تنتمي للطبقة الثالثة بتأثيرها الأخلاقي على آنا في الرواية بشكل كبير، حيث كانت آنا تعاشر مختلف الطبقات وكانت تبسي من الطبقة الثالثة، وفي إحدى الأيام دعت بتسي صديقتها آنا لحفل في بيتها، وكانت الحفلة قد شهدت حضور أنّا وزوجها وفرونسكي،. والتقت أنّا حينها بفرونسكي لأول مر ورقصا سوياً ودار بينهما حديث عن الزواج والحب في زاوية صغيرة منعزلة عن المدعوين في الحفل، وكانت تلك بداية حديث المدعويّن عن علاقتهما حتى أنه وصل الخبر إلى زوج أنّا الذي لم يبدي أي اهتمام عند إخباره.

وقد كانت علاقة فرونسكي وآنا كارينينا مرتبكة فرغم حبه الشديد لها كان شديد الإخلاص لعلمه بالجيش بينما كانت علاقتهما تتعقد وتتطور وعرف بها زوجها. أما تلك العلاقة ما بين آنا وصديقتها بيتسي فقد كانت علاقة لافتة للأنظار في الرواية بما شكلته من عرض للنقيضين، فبينما تعاني السيدتان من ذات المشكلات يكون رد الفعل على أفعالهما مختلف تبعاً لاختلافات شخصياتهما وأفعالهما، فبينما تمثل بيتسي تلك الشخصية السيئة الأخلاق التي ترتكب الأخطاء بكل أريحية ولكن في السر فلا يعف عنها أحد ولا يتحدث عنها أفراد المجتمع لأنها تتخذ من السر ساتراً لها عن الكلام والعيون، بينما آنا كارينينا هي التي تعاني المشكلات والظلم فالمجتمع يتحدث عنها بسوء ويحتقر ما فعلته من خيانة لزوجها الذي كان يكبرها بأعوام عديدة ولا تحبه وكان دافعها لحب غيره عدم توافقهما ولا مبالاته لشعورها.

ورغم ذلك كانت بيتسي تشجع (آنا كارينينا) على الحديث مع شخص آخر بخلاف زوجها وأن تقيم علاقة غير مشروعة وليست خيار مناسب لها في ظل ظروفها الاجتماعية وبوصفها أم شديدة الحب لابنها، ورغم ذلك عندما شاع الأمر وعرف المجتمع والناس قصة آنا كارينينا تخلّى الجميع عنها حتى بيتسي صديقتها التي كانت تشجعها على ذلك وهو الأمر الذي يكشف زيف علاقة الصداقة التي كانت بيتسي تدعيها وكشفت الأحداث وتصاعد الأمور داخل سياق الدراما الروائية هشاشتها.


أفكار تحرر آنا كارينينا الوهمية:

إن الرواية في مضمونها تحاول التركيز على الجوانب النفسية والصراعات بين البشر والتقاليد التي يتبعونها عبر ما تكشفه مشكلة مشاكل آنا كارينينا حيث يظهر تولستوي كروائي انحيازه واندفاعه لأفكار تحررية تظهر في النهاية أنها سابقة لعصرها لدرجة أنه تمّ تبنيها حالياً في قرننا الحالي حيث ينخرط الكثيرون في ذلك النوع من عمليات التفكير الذي يشمل صراع وتمرد، ويمثل طرح الرواية الذي عرضه تولستوي دراسة شخصية مقنعة لأسس مزج العاطفة بالتعاطف مع البطلة بشكل لا يمس الدين رغم التحول الأخير في الرواية فالقارئ في النهاية لا يمكن أن يمر على الشخصية الرئيسية دون أن يتعاطف معها خاصة أنها تخسر كل شيء في النهاية، ويؤكد تولستوي على أن آنا كارينينا بتجربتها تلك التي تحملت هي كامل عواقبها كانت محاولة جريئة ومتمردة في ظل إطار اجتماعي عام يخنق الحرية ولا يعترف بحق المرأة في التمرد على حياة لا تعجبها ولا تريحها وهو من صميم عمليات الوعي البشري الذي يظل في تطور دائم وتغيير متراكم عبر الزمان. نجد أن الراوية جاء بها جدول حول العائلة "جاء تقييم آنا الزوجة المتمردة العاشقة متباينا (صفحة 224).


نهاية رواية آنا كارينينا:

وقد مثلت الرواية في نهايتها صدمة بخسارة آنا حياتها وابنها وتفضيلها الانتحار للتخلص من عذاباتها وآلامها، وقد كانت الركيزة الأساسية للرواية محاولة البحث عن موازنة بين مختلف العواطف والتقلبات في الرواية وبين الحياة التي يطمح لها أبطال الرواية فالعواطف مثل" الخوف والغضب والمفاجأة " (تولستوي، الصفحة 154 موجودة في كل مكان تسكنه النفس البشرية وهو موجود فعلياً في كل الثقافات لأنه دلالة على بشرية البشر ولكن مع ذلك تظل هناك عواطف خارجية مثل (الرضا وعدم الرضا) وعواطف اجتماعية مثل (الخجل، والشعور بالذنب، والإعجاب، والرحمة) هي الأكثر تأثيراً في الوعي المجتمعي بل والأكثر ليونة في قدرتها على التبدل والتغيير لكنها في النهاية تظل تعمل دائماً بنفس الطريقة وردود الفعل في أي بيئة كانت سواء كانت في المجتمع الروسي الذي تعرضت له الرواية أو أي مجتمع آخر، فصورة الصديقة التي تفعل ما يحلو لها وتحث صديقتها (آنا) على الخطيئة بينما تتبرأ منها عندما يفتضح أمرها هو نموذج إنساني موجود في كل بقاع الأرض ليس حكراً على المجتمع الروسي، وكذلك صورة الحبيب الذي يقيم علاقة مع امرأة متزوجة ويتخلى عنها بعد خسارتها لشرفها وحياتها وابنها هو أيضاً نموذج إنساني متكرر، لذلك تكمن قيمة الرواية في ارتكازها على الجوانب الإنسانية والاجتماعية التي تجعلها خالدة ونموذج أدبي بديع صالح لكل زمان ومكان.


تقييم ونقد الرواية:

إن رواية (آنا كارينينا) التي تمثل نموذج فريد في الأدب الروسي والأدب العالمي بشكل عام بما تكشفه من صراعات النفس البشرية ومواجهة الفرد لتقاليد وأعراف وقيود اجتماعية خانقة هي من أفضل الروايات العالمية التي لاقت نجاح وتقدير أدبي وكانت نموذج صالح لكل الثقافات وبالفعل جاءت ترجمتها لمختلف اللغات الحيّة دلالة على ذلك، بل أن الاهتمام بتلك الرواية لم يكن على صعيد أدبي فحسب بل على صعيد سينمائي فتبناها مخرجون كبار ليتم تقديم الرواية كفيلم سينمائي اشتهر بشكل واسع حتى أنه تم تعريبها ليصبح فيلماً عربياً من أشهر أفلام السينما في القرن الماضي.

لذلك وبناءً على ما سلف ورغم تلاحق الأحداث وتداخلها إلا أن الحدث الأبرز في هذا السياق يمكن أن يختصر في علاقة بيتسي بآنا والتي كانت نموذج شديد السوء للصديقة الأنانية التي لا تحب الخير لصديقتها وتتخلى عنه في أحلك اللحظات التي كانت آنا في حاجة لدعمها ووقوفها إلى جانبها. وهذه العلاقة تحديداً هي أبرز العلاقات الثنائية في الرواية إثارة للانتباه خصوصاً أن العلاقة الإنسانية بالأساس غير متكافئة وتمثل ضدين رغم أن موقف آنا يحسب لها بنزولها عن طبقتها ومصادقتها لبيتسي التي تنتمي للطبقة الثالثة التي تختلف تماماً عن أرستقراطية الطبقة التي تنتمي لها آنا كارينينا ورغم ذلك كانت آنا حسنة النية ومتواضعة مع صديقتها التي لم تقدر ذلك وكانت أول من طعنها بالتخلي عنها مثل سائر من حولها.


تلخيص ونقد رواية آنا كارينينا لتولستوي
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -