اقرأ أيضًا

تلخيص كتاب "فلسفة ابن خلدون الاجتماعية" لطه حسين

تلخيص كتاب فلسفة ابن خلدون الاجتماعية



يحتفظ تاريخ الادب العربي منذ العصر الجاهلي برجلين يمتاز كل منهم بالابتكار خارق لم يتصف به من المسلمين من قبل أولهما ابو العلاء المعري الذي قام باستحداث في الادب صنفين لم ينسج على منوالهم أحد منذ عهده، فقد استعرض مجموعة شعرية. والثاني ابن خلدون فهو يتصف بالعبقرية كان ابن خلدون عقلية عملية، لم تمكنه حياته الدبلوماسية التي امتزجت أيما امتزاج بالدسائس والمصاعب السياسية، من أن يطيل التأمل في نفسه أو في الحياة لدراسته التاريخ الإسلامي وكذلك مختلف نظريات الفلسفة التي حازت على اهتمام المسلمين.


ابن خلدون وحياته:

ينتسب أبو زيد ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون المعروف باسم ابن خلدون إلى أسرة عربية نزحت إلى اسبانيا منذ أواخر القرن الأول الهجري أي حينما افتتح المسلمون بلاد الأندلس. وكان رأس هذه الأسرة (خلدون) الذي قدم إلى اسبانيا يدعى خالد بن عثمان بن الخطاب بن كريب بن معد يكرب بن الحارث بن وائل حجر، فاذا كان هذه النسب صحيحاً فأنه يكون سليلا لأمير قبيلة كندة الشهيرة.


فهم بن خلدون للتاريخ:

حقاً أن لذلك الفيلسوف السياسي عقلية شديدة الغرابة، كان ابن خلدون يحيط كل اعماله بعناية دقيقة، فقد كونته دراسة طويلة راسخة لجميع العلوم التي عرفها العرب إلى عهده، وخبرة مستمرة بالاضطرابات السياسية التي هي كل التاريخ الإسلامي في القرن الثامن الهجري، واضطره مركزه المزعزع دائماً وهو سياسي ينتقل من بلاط إلى آخر، يكون جم الحذر كثير الوزن لما يقال ما يعمل، لذلك كان مضطر إلى أن يرى في كل شيء مادة للتأمل وموضع للاختبار.


الغرض من المقدمة:

إذا كان ابن خلدون يرى أنه يجب ألا تكون للتاريخ سو غاية واحدة أن تشرح بواسطة القصص تطورات المجتمع البشري ف ادواره وأشكاله المختلفة فمن الضروري أن نبدأ بدرس القوانين التي يحدث التطور طبقاُ لها لان ابن خلدون لا يقبل أن يسلم بأن الحوادث تتعاقب مصادفة دون انتظام بل يقرر أن هناك قوانين تسير الحركة الاجتماعية وأنه يجب البحث عن تلك القوانين يدرس المجتمع في نفسه، ذلك الدرس هو موضوع علم مستقبل يسميه ابن خلدون علم العمران.


منطلق نظرية الوازع عند ابن خلدون:

يناقش ابن خلدون بصورة أساسية فكرة الوازع التي تعتبر متناقضة لسببين أولهما هو اجتماعية ومدنية الإنسان التي تحتم عليه العيش والتعاون مع الأخرين وثانيهما هي أهمية وجود الوازع لكبح جماع الطبيعة العدوانية في البشر ولردعهم عن ظلم وأكل حقوق بعضهم البعض. إن الحاجة إلى "الوازع" إذن، تفرضها طبيعة الإنسان نفسه، باعتباره كائناً مجبولاً على الخير والشر معاً: على التعاون والعدوان.

الواقع إن فكرة الوازع عنده تنطبق على هذا وذاك معاً. فهي تتدرج عنده من مجرد السلطة المعنوية التي لشيوخ البدو وكبرائهم، إلى السلطة المادية التي تقوم على اليد القاهرة، والسلطان، والغابة وبكلمة واحدة "الملك" ويمكن القول بصفة عامة إن الوازع الذي يتحدث عنه ابن خلدون هو، وازع اجتماعي بناء على نوعية الحياة الاجتماعية الموجودة والتي تشكل سلطة اجتماعية. إن ابن خلدون هنا لا يهتم بالوازع "الذاتي" النابع من ضمير الفرد كالوازع الأخلاقي أو الديني – وإن كان يبرز دون هذا الأخير في تقوية الروابط الاجتماعية في ظروف خاصة، كما أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق – ولكنه يهتم بالدرجة الأولى بالوازع الخارجي أو "الأجنبي" الذي تجسمه وتؤكده القوة، سواء كانت قوة فرد أو قوة جماعة. وهذا شيء طبيعي ومعقول، فما دامت الحاجة إلى الوازع إنما تفرضها الطبيعة العدوانية للبشر.

هذا بخصوص فكرة الوازع على العموم. ولكن لما كان هذا الوازع، تفرضه كما قلنا ضرورة الاجتماع والتعاون لتحصيل الغذاء. ولما كانت طرق كسب العيش وبالتالي أسلوب المعاش، يختلف في البادية عنه في المدينة كما شرحنا ذلك قبل، فإنه من المنتظر أن يختلف الوازع هنا عن الوازع هناك. إن حياة البادية تعتمد على البساطة والفطرة بصورة أساسية حيث أن الفلاحة، لا تحتاج لا لعلم ولا لنظر، أما في المدن فإن الحياة جد معقدة. وكما ينعكس هذا الاختلاف في أسلوب المعاش بين البادية والمدينة، على طباع الناس وأخلاقهم وعاداتهم ومختلف أنماط سلوكهم، كما بينا ذلك من قبل، فهو ينعكس أيضاً على الروابط الاجتماعية التي تربط الأفراد ببعضهم وتجعلهم يتعاونون. وهكذا فإن بساطة الحياة في البادية لابد أن تجعل من الوازع فيها وازعاً طبيعياً فطرياً، مثلما أن تعقد الحياة الحضرية سيضفي نوعاً من التعقيد والتركيب على الوازع السائد فيها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه لما كانت الحاجة إلى الوازع إنما تفرضها الطبيعة العدوانية التي في البشر، فإن الوازع يستخلف سواء في البادية أو في المدينة، باختلاف نوع العدوان: عدوان الأفراد بعضهم على بعض داخل المدن أو أحياء البدو، أو عدوان جماعات على أخرى. وهذا ما يقرره ابن خلدون.


تصنيف العدوان عند ابن خلدون

قام ابن خلدون العدوان هنا بتصنيف العدوان إلى عدوان داخلي (عدوان الأفراد بعضهم على بعض داخل المدينة أو داخل أحياء البدو) وعدوان خارجي (عدوان على المدينة كلها من الخارج، أو على أحياء البدو وحللهم من الخارج كذلك)، هو من الأهمية بمكان بالنسبة إلى فهم منطلق نظريته في العصبية والدولة. ودون أن نسابق خطوات البحث، يمكن القول، إن صاحب علم العمران، لا يعنى إلا بـ "العدوان الخارجي" الواقع على المدينة أو على إحياء البدو، ومن ثمة فإن اهتمامه مركز في دراسة علاقة الدولة بمن يهاجمها من الخارج من جهة، وبالعصبية من حيث إنها رابطة طبيعية تشد أفراد "حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم" عند دفاعهم ضد المعتدين عليهم. وعليه فإن ابن خلدون ينظر إلى العصبية فقط من حيث الدور الذي تقوم به في الدفاع عن الجماعة، أي باعتبارها تقوم في البادية بنفس الدور الذي تقوم به الحامية والأسوار في المدن.


مبادئ الدولة ومراتبها عند ابن خلدون:

يوضح ذلك علاقة مجموعة البادية مع بعضهم فيما بينهم وعلاقتهم بالدولة وهذا هو منطلق ابن خلدون الأساسي في العصبية وهو يستجيب تماماً لطبيعة الشكل الذي ملك عليه اهتمامه، كما يستجيب بنفس الدرجة لطبيعة المعطيات الاجتماعية الخاصة بالمجتمعات التي يدرس فيها هذا المشكل: فمن جهة، وهذا ما أكدناه مراراً، إن الفكرة الأساسية التي سيطرت على ذهن ابن خلدون، ووجهته في تفكيره وأبحاثه، هي: الكشف عن "مبادئ الدول ومراتبها"، والتعرف على اسباب "تزاحمها أو تعاقبها". ومن ثمة كان السؤال الرئيسي الذي ملك عليه نفسه هو: ما هي القوة التي تستند إليها الأسر الحاكمة في استيلائها على السلطة؟

ومن جهة ثانية، فان هذا السؤال الذي شغل تفكير ابن خلدون، لم يكن نتيجة تأمل فلسفي في شؤون الحكم والسياسة بصفة عامة وبكيفية مجردة، بل كان سؤالاً أملته عليه ظروف خاصة، هي ظروف نكبته ونكبة صديقه أمير بجاية، وفى إطار معطيات اجتماعية معينة، هي معطيات المجتمع الذي عاش فيه ونفذ إلى أعماقه أيام نشاطه السياسي. وكما شرحنا ذلك في الفصل الأول من هذه الدراسة، فإن المجتمع الذي عاش فيه ابن خلدون واستوحى من معطياته وأحداثه مقدمته المشهورة، كان مجتمعاً قبلياً صرفاً. لقد كانت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية التي يقوم عليها كيان المجتمع في شمال أفريقيا، ومن ثمة فإن الأسرة الحاكمة لابد إن تكون ذات طابع قبلي أكيد إما قبيلة معينة، أو فرعاً منها، أو مجموعة قبائل متحالفة. وهذا يعنى ضرورة أن القوة التي تستند عليها هذه الأسرة أو تلك في استيلائها على السلطة لابد إن تكون نابعة عن طبيعة المجتمع القبلي نفسه، وليست هذه القوة إلا "العصبية" ذاتها.

وهكذا، فإذا كانت الدولة هي المحور الذي تدور عليه أبحاث ابن خلدون، كما قررنا ذلك سابقاً، فان الأساس الذي يرتكز عليه هذا المحور، والمادة التي منها قوام وجوده، هما "العصبية". ومن هنا يمكن القول بصفة عامة، إن النقد الذي وجهه ابن خلدون إلى المؤرخين قبله، يدور كله حول عدم اعتبارهم لأهمية العصبية في الدولة، منذ تأسيسها إلى حين اضمحلالها، فمؤاخذته للمؤرخين لكونهم، عند ذكر الدولة، "لا يتعرضون لبدايتها، ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها، وأظهر من آيتها، ولا علة الوقوف عند غايتها". حيث أن شأن العصبية في منهج ابن خلدون هو خطير للغاية. ولكنه على الرغم من اعتماده عليها في تفسير حوادث التاريخ الإسلامي كله، فإنه لا يتناولها بالدراسة إلا من جانب واحد، الجانب الذي يهمه في الدرجة الأولى، وهو مفعولها السياسي.


تلخيص كتاب فلسفة ابن خلدون الاجتماعية لطه حسين
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-