اقرأ أيضًا

تاريخ القصة القصيرة وتطورها في قطر

تاريخ القصة القصيرة في قطر

أرى أن الكثير من البعض يخلط بين القصة والقصة القصيرة بعض الكتاب بين القصة والقصة القصيرة، وهذا الخلط ناجم في الغالب من الدلالة اللفظية لكلا المصطلحين، وحقيقة الأمر أن القصة بمعناها المطلق تشمل كل الألوان السردية والحكاية وهي ذات جذور متوغلة في عمق تاريخ الأدب العربي، ومنها القصص الـواردة في القرآن الكريم مثل قصص الأنبياء والأقوام والأمم، وكذلك الأساطير الشعبية والحكايات المستمدة من التراث، وهي تشكل رصيداً ضخماً من الإبداع المرتبط بتاريخ الأمة عبر الزمن، لكن القصة القصيرة بمفهومها الحديث فن وافد إلى الأدب العربي المعاصر من الغرب والشرق. كما أني ارى أن تبرير هذا الخلط بين القصة والقصة القصيرة يرجع إلى ما تشهده ساحة الإبداع الأدبي من فوضى نتيجة تداخل الأجناس الأدبية على أيدي المغرمين بتقليد أدباء الغرب، حتى أصبحنا نقرأ ما يسمى شعراً ما ليس له علاقة بالشعر، أو نقرأ قصة ما ليس له علاقة بالقصة، كل ذلك بحجة التجديد، وما هو سوى تقليد أعمى يتجاهل الذائقة الفنية للقارئ العربي الذي تربى على تلقي ألوان أدبية شكلت ذائقته الفنية بل وساهمت في تشكيل شخصيته العامة، وهي ألوان قابلة للتجديد وفق السياق العام للتطور الذي تشهده الحياة في المجتمع العربي المسلم، لا وفق ما يراه الآخرون.


القصة القصيرة في قطر:

أن القصة القصيرة في قطر كانت مرتبطة ارتباطاً وثيق بالصحافة كما أن الملامح الخاص بها واتجاهاتها والمراحل التي مرات مثل الظروف السياسية، حيث أثر الاستقلال في عام 1971 عن الانتعاش الاقتصادي الذي أدى إلى الانسحاب على النواحي الاجتماعية والادبية والفكرية فنجد بعد هذه الانتعاش وجود النوادي الثقافية كما أن التعليم سطع نجمه واصبح التعليم متاح للإناث والذكور، كما كان للجامعة دور بارز في تحريك الناشط ومتابعته ورعايتها. وأخذت الجامعة على عاتقها عبء تطوير ونشر الحركة الثقافية من خلال هيئاتها المعنية، ومن خلال مركز الوثائق والدراسات الإنسانية الذي ضم مجموعة من الوحدات التي تتبنى العديد من مناهج التطوير والترقي للبحث العلمي.

كما أدى خروج الفتاة القطرية إلى حقل التعليم ودخولها الجامعة، وإسهاماتها المتنوعة في المجتمع القطري – سواء بالكتابة في الصحف والمجالات أو ببروز دورها في الجمعيات النسائية وتقلدها الوظائف المناسبة – إلى مزيد من التلاحم العضوي بين أفراد المجتمع الذي نبذ التزمت والتعسف حتى غدا واحدًا من المجتمعات التي تسعى سعيها إلى استخدام أحدث السبل العلمية المتطورة في بناء الإنسان القطري.

ولا يمكننا أن نغفل أيضًا دور البعثات الخارجية التي منحت الشباب القطري فرصة الحصول على درجات الماجستير والدكتوراه إضافة إلى البعثات التي أتاحتها دولة قطر ممثلة في وزاراتها المختلفة لشبابها للحصول على الدرجات العلمية من الجامعات الأجنبية، وكيف أدى المبعوثون دورهم بعد عودتهم في الخروج من العزلة ومسايرة الآداب الأخرى في أشكالها المستحدثة. وقد سعوا بدافع الحماس والانتماء إلى كتابة بعض القصص القصيرة التي جمع بعضها في صورة مجموعات قصصية على النحو الذي رأينا في مجموعتي بنت الخليج ولقاء في بيروت للكاتب يوسف نعمة، ومجموعة أتت وغابة الصمت والتردد للكاتبة كلثم جبر، ومجموعتي قطار العوانس وثلاث نساء وبيت واحد للكاتب عبد الله عيسى، ومجموعة بائع الجرائد للكاتبة نورة آل سعد

والبعض الآخر كان في صورة منتقيات لقصص بعض الكتاب مثل كتاب 7 أصوات في القصة القطرية الحديثة الذي أشرف على نشره قسم الدراسات والبحوث بإدارة الثقافة والفنون. أما بقية القصص الأخرى وهي كثيرة ومتنوعة فقد اكتفى أصحابها بنشرها في الصحف والمجلات الرسمية. وبرز في كتابة القصة القصيرة عدد كبير من الكتاب والكاتبات والذين تفاوتوا في إسهاماتهم في مجال الكتابة القصصية نتيجة لظروفهم الخاصة فمنهم من أسهم بنتاج كبير ومنهم من اكتفى بكتابة قصة واحدة أو قصتين ثم توقف بعد ذلك إما لأنه انصرف إلى كتابة الشعر أو المقالة أو المسرحية أو البحث العلمي وإما لأنه أحس بضآلة تجربته وعدم توافر مصادر الارتقاء والتنوع التي تحقق له الاستمرار( ).


صور الحدث في القصة القصيرة بقطر:

أولاً: الحدث المركب:


انطلاقًا من مبدأ الوحدة الذي يمثل سمة بنائية من خصائص القصة القصيرة يجب على الكاتب القصصي أن يراعي "وحدة الفكرة" مع مراعاة علاجها بهدف واحد وطريقة أيضًا واحد على حد قول الدكتور سيد النساج: "ومنذ الجملة الافتتاحية في القصة القصيرة يجب أن يكون ثمة هدف واحد كما يجب أن تكون هناك فكرة واحدة فقط لإثباتها وتأكيدها.

ومن هنا كان لابد لها من أن تكون مركزة، مرسومة الهدف، وكاتب القصة المجيد لا يكتب كلمة واحدة لا فائدة منها فإن كل كلمة تحسب عليه، وهو حريص ألا يبعثر الرصيد هنا وهناك، كل كلمة لابد أن تؤدي غرضها وتسير في الوقت نفسه نحو الغرض الأسمى والأول خطوة إلى الأمام".

ومن هنا نفرق بين القصة القصيرة والرواية من حيث جنوح الأولى إلى التركيز المنبثق من معالجتها لموضوع واحد متطور بفاعلية وتوازن وتكثيف ومن ضيق الحيز الزماني والمكاني الذي تدور فيه في حين تلجأ الثانية إلى الإسهاب في السرد والحوار والوصف بما يتناسب مع حجمها وطول الحيز الزماني والمكاني لها.

إذن فنحن مرتبطون في مجال القصة القصيرة بالأثر الفعلي الناتج عن وحدة الحدث. صحيح أن الحدث المفرد قد ينقسم على جزئيات إلا أن هذه الجزئيات لابد أن يرتبط بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا شريطة أن يقوم هذا الربط على التبرير للموقف وحركة الشخصية، ودون أن نركب حدثًا على حدث آخر بما لا يؤدي تطويرها للفكرة، وإنما يضفي خللاً على التسلسل الدقيق للحدث كما يضعف ناحية التركيز لدى المتلقي الذي بدأ مع حدث يريد أن يعرف نهاية منطقية له.

إن أي عمل قصصي لكي تتوافر فيه العناصر الدرامية التي تعتبر سمة من سمات القصة والمسرحية على حد سواء فلابد أن يحرض صاحبه على إحداث نوع من التوازن الدقيق سواء في عرض الحدث أو في تحديد البداية والنهاية أو في توزيع الشخصيات داخل العمل بما يحقق التأثير المرجو المنبثق من التوافق والالتحام العضوي.

ليس الفن القصصي هو أن نغرق المتلقي في جو لا نهاية له في الغرائب والمدهشات أو أن نستدر عطفه فينجرف في بحر من الدموع مفعمًا بالزفرات والأنين والحسرة، ولكن الفن القصصي يقوم على أساس التوازن بين الفكرة والأصول البنائية التي لا نحيد عنها إذا أردنا لما نكتبه البقاء تحت دائرة الفن.

إننا في مجال القصة القصيرة مرتبطون بالفكرة التي يجب أن تنمو وتتطور منذ البداية حتى النهاية والتي لا يمكن فهمها إلا من القصة كلها، وعلى هذا فإن القصة القصيرة تصور "حدثًا ينشأ بالضرورة من موقف معين ويتطور بالضرورة إلى نقط معينة يكتمل عندها معنى الحدث، أو كما يقول الدكتور الطاهر المكي "إن القصة بناء محكم لا يسمح بالهوامس، والحدث فيها مكثف وهو كل شيء، ويجيء الوصف فيها موجزًا ومرور الشخصية بها سريعًا.


ثانيًا: الحدث المفتت:

كانت ظاهرة التفتيت انعكاسًا حقيقيًا لما راج في العالم من تطور تكنولوجي في شتى فروع العلم سواء في العلوم السيكولوجية أو الفيزيائية أو الرياضية أو السوسيولوجية. الخ وما نتج عن ذلك من ظهور نظريات علمية متنوعة مثل نظرة داروين في التطور ونظرية أينشتين في النسبية، ونظرية فرويد في الغرائز، وكان لابد أن يظهر تأثير ذلك على مبدعي الأدب فجنحوا إلى بعثرة المادة القصصية ولجأوا إلى تفتيت الحدث وتفتيت اللغة و"غدت الوحدة في القصة هي الكلمة في الأسلوب وغدت متمثلة في الحالة النفسية التي تنقلها الشخصيات وفي مجموعة الجزئيات والتفصيلات الدقيقة التي يتألف منها نسيج القصة وعليه أصبحت القصة القصيرة بنية فنية تنقل سلسلة محدودة من الأحداث أو الخبرات أو المواقف وفق نسق متوافق يخلق إدراكًا كليًا خاصا به".

إن شيوع هذه الظاهرة في القصة الحديثة والمعاصرة لا يعني "انهيار البناء وتفكك الحبكة الفنية بل اجتماع وتراص البنى الجزئية في بنية كلية" ومن ثم يمكن الربط بين القصة التقليدية والقصة الحديثة من حيث أن لكل منها بناءً جوهريًا، وأن ما نعده "قصورًا في البناء (للقصة الحديثة) إنما يكون ثمرة التغيرات المختلفة في الطريقة أو البراعة الفنية. فالأسلوب العصري المفضل ينحو نحو الإيحاء والإلماح والتضمين وليس نحو المباشرة أو الصراحة". التي تميزت بهما القصة التقليدية.

ويحاول الدكتور ماهر الملاح أن يعدد سمات هذا اللون من القصص فيقول: "إن الكاتب يعمد إلى أمور قد ترتبط بالواقع أولاً من حيث أعرافه، ويصورها من منظور جديد يعكس فيه نظرته العبثية تجاه الحياة، وأحيانًا يخلط الأمور ويعرضها بشكل غريب، وأحيانًا يجمع بين غرائب لا يمكن أن تتمشى مع العقل والمنطق" وهو في ذلك يؤكد رأي "لآلان روب جريبيه" في بحثه "نحو رواية جديدة" يرى فيه أن أحداث هذه القصص عسيرة على إدراك الإنسان، ولا يستطيع الدخول إليها بسهولة، ولكننا مع ذلك نستطيع شيئًا فشيئًا أن نرى فيها رسم حياتنا".


أهم كتاب القصة القصيرة في قطر:

أولًا: عبد الله الحسيني:

يعتبر عبد الله الحسيني واحداً من كتاب القصة القصيرة في قطر، ممن أخذوا على أنفسهم مسئولية أن يكون لأدبهم الخليجي وجود في المجال القصصي، فكتب (وهكذا أراد ابي) و(عجوز في عاصفة) و(غلطة طبيب) و(وفتاة وجريح).

وربما يدرك القارئ القصة حداثة التجربة وعدم الإلمام الكامل بمقتضيات الفن القصصي الأمر الذي جعله ينشر قصصه ما بين مارس 1973 إلى مارس 1974، ولم تظهر له بعد ذلك أعمال قصصية اخرى.

والواقع أن بعض قصصه تقترب كثيراً من الأسلوب الحكائي من حيث اعتمادها على الوصف المباشر للحادثة وتتبعها للشخصية القصصية على مدار فترة زمنية يحاول إزاءها عرض الموقف ببث مجموعة من الأفكار بطريقة مباشرة، ولكن دون أن يعني هذا أن الكاتب اخفق في امتلاك كل العناصر والمقومات، لأنه سعى جاهداً نحو تطوير أسلوبه الفني وهو ما أعطى قصصه نوعاً من الثراء الفني والموضوعي إلى حد ما.

وقد التزم الكاتب اللغة الفصحى التي تؤثر اللفظ على المعنى وتقوم على السر المباشر فجاءت لغته سليمة نسبيًا إذا قيست بلغة غيره من كتاب القصة القصيرة في قطر، ولم يستخدم العامية إلا نادراً وفي بعض كلمات معدودة تناثرت بين ثنايا قصصه.

إن عبد الله الحسيني يهتم في بعض الأحيان برسم شخصياته بطريقة كاريكاتورية توغل في مبالغتها وتجسيم محنها كما في قصة (غلطة طبيب) حيث يجعل شخصية البطل تعيش على وهم زائف، وخداع باطل بعد أن أفتعه الطبيب بدنو اجله.

فنجده في قصته (فتاة وجريح) قد استغل الحوار استغلالا جيدا وأدرك أهمية البعد الداخلي للشخصية القصصية كما أحس بقيمة الصراع في خلق جو درامي مشحون بالحركة، وكنه –مع كل ذلك- ظل اسيرا في أكثر فترات قصته لهذه الطريقة السردية الحكائية( ).


ثانيًا: أحمد جعفر عبدالملك:

يعتمد الكاتب أحمد جعفر في قصصه على طريقة السرد المباشر او الطريقة الملحمية في رواية الحدث، وتلك سمة من سمات القصة الرومانسية التي تهتم بتصوير عواطف النفس البشرية، والنظر إليها على أنها نفس خيرة، (وأن ماقد يعتريها من الشر والإثم فإنما هو من فعل المجتمع الذي يعيش فيه) أو بمعنى أخر إنها القصة التي يصور الكاتب فيها بطله في صورة مجرم نظيف السريرة كثيراُ ما يعاتب نفسه ويندم على ما تقترفه من آثام، ويلقى لومه على المجتمع الظالم الذي يعيشه.

ومن ثم غلف الكاتب قصصه بالطابع العاطفي المثير، كما غلب عليها الطابع الخطابي المباشر الذي يستخدمه للتأثير على قارته تاثيرا بلاغيا من خلال الاهتمام بحسن الصياغة وضروب المجاز وفنونه، وبرئين العبارة ودلالة اللفظ ذاته. كما هذا على حساب النواحي الفنية في القصص عنده وعلى حساب الفكرة التي يعرضها.

وقد اهتم الكاتب باختيار نماذج ومواقف خيالية وهمية، وانصرف بعض الشئ عن الواقع مصورا شخوصا وأحداثا غريبة ومفتعلة على طريقة الأستاذ محمد أمين حسونة في مجموعته (الورد الأبيض) ونقولا يوسف، ود. إبراهيم ناجي وسف جوهر ومحمود كامل أن كان أقرب كثيرا إلى الكاتب يوسف جلمي الذي شغف بقصص الخيانة والجنس.

إن ما يدفعني إلى هذا القول هو حرص الكاتب على استخدام أسلوب المفاجآت الذي يضعف من متعة امتلقى لقصصه، كما يسهم في قطع الحدث قطعا مفاجئا ودون سابق إنذار فيثير- تبعا لذلك- نوعا من الملل والفتور قد يضطر القارئ معه إلى عدم متابعة القصة حتى نهايتها.

كما يؤثر الكاتب الاهتمام بشخصية البطل، ويبرز فيها الجانب الإنساني الذي يدفعه في بعض القصص إلى ترجمته والتعبير عنه بصورة سافرة بأن يكون في عون الآخرين أو يقف بجوار البائسين التعساء الذين المت بهم النكبات والأزمات الدنيوية، وقد يعبر عنه أيضا بأسلوب الندم والتأنيب لنفسه على مار تكتبه من ذنوب، وأسهمت به في شقاء الآخرين.

ولعل الملاحظ على قصص أحمد جعفر عبد الملك أنها تفتقد إلى الحس التصويري المنبعث من دربة وحنكة في توظيف معطيات اللغة والبنى اللفظية مع عدم الاهتمام بالنواحي الفنية كالتشويق والتبرير وعدم تداخل جزئيات الحدث المفرد مما يجعل الحدث مخلخلا وغير متسق البناء.


ثالثًا: قصص نورة آل سعد بين سطوة الواقع وانحدار الذات:

حين نقرأ قصص نورة آل سعد يطالعنا خط نفسي مشترك يربط بينهما وتحاول الكاتبة أن تترجم أحاسيسها نحوه مؤكدة بذلك رؤيا ذاتية نحو الواقع الذي تعيشه وتحياه بكل مشاعرها ونبضات قلبها وباحثة في الوقت ذاته عن حلول لهذه المشكلات التي جسدتها.

وقد يقل اهتمام الكاتبة عن مواقف شعورية عاشتها أو عاشها غيرها من المحيطين بها في إطار (الأنا الاجتماعية) على اعتبار أن هناك (أنا ذاتية)، (وأنا اجتماعية) وكلاهما لا ينفصل عن الآخر إذ هما متلاحمتان تلاحم الروح والجسد. وهذا ما أصاب حدث القصة عندها- أحيانا- بالخلل الذي أدى بطبيعة الحال إلى افتقاد الحبكة القصصية! نتيجة اهتمامها بتصوير الشعور أو الأحاسيس بالواقع من خلال الذات، ولو أن الكاتبة جسدت هذا الواقع بتحولاته وشكلاته تجسديا موضوعيا دون أن يكون هناك تدخل منها وفرض لرأيها لحازت قصصها مكانة فنية كبيرة.

إن معظم قصصها تصور "سطوة الواقع الاجتماعي الذي يعبر عن هذه الفجوة الثقافية، فرغم تعلم الفتاة النسبية إلى المرأة تحت تأثير التعليم إلا أن كثيرا من القيود والأغلال الاجتماعية ماتزال محيطة بها تكبل حريتها وتمنعها من الحركة ومن إدارة الاختيار ومن التعبير عن ذاتها وجوانحها".


تداخل المفاهيم والماهيات في كتابة القصة القصيرة:

الصورة القصصية:

تقترب الصورة القصصية من القصة القصيرة لوجود روابط وثيقة بينهما تتمثل في الحدث القصصي والحوار والوصف والشخصية. الخ إلا أن الفارق بينهما يكمن في أن القصة تسير وفق قواعد متفق عليها أما الصورة فهي أكثر تحررًا من التبعية لهذه القواعد ولا يبغي صاحبها إلا الوصف الخارجي.

ويرى د. شكري عياد أن الصورة القصصية ليست بالعمل الهين البسيط من حيث قيمته أو تأثيره أو تناوله، فالصورة – في نظرة عمل فني له وحدته المستمدة من موضوعة "وهو موضوع الملاحظة" والمبنية على التناسب والتقابل بين أجزاء هذا الموضوع، والصورة يمكن أن تكون بليغة الأثر لا في توجيه الفكر فحسب بل في توجيه الحياة أيضًا.

والواقع أن هذا الشكل الجديد لم يكن له جذور غائرة في تراثنا العربي القديم، وإنما يرجع في نشأته إلى حركة الصحافة المصرية منذ العقد الثاني من القرن العشرين، وخاصة ما قام به رواد مدرسة الفجر أمثال د. حسين فوزي، وعبد الحميد سالم، وأحمد حلمي سلام، ومحمود طاهر لاشين، وعصام الدين حفني ناصف، ويحيى حقي، ومحمود تيمور وغيرهم، إذ كان لهم أكبر الفضل في ابتكار هذا الفن والتجويد فيه والنظر إليه باعتباره" ضربًا من ضروب البناء.

ولا يمكننا أن ننكر أن "يحيى حقي" كان اكثر الرواد في هذا المجال حيث شغله هذا اللون الجديد على مدار رحلته الفنية حتى تميز به دون غيره من الكتاب كما امتد تأثيره – بعد ذلك – على الكتاب العرب أمثال عبد الجابر السحيمي ومحمد زفزاف ومحمد زبيبر كما برز تأثيره أيضًا على كتاب القصة في قطر أمثال يوسف عبد الله نعمة وخليفة عيد الكبيسي كما سنرى الآن.


أولا: - يوسف عبد الله نعمة و(حديث الناس):

حقق يوسف عبد الله نعمة تقدمًا كبيرًا في تحديد أصول هذا الشكل الجديد حيث خصص لنفسه في مجلة العروبة بابا بعنوان "حديث الناس" استطاع من خلاله أن يعرض مجموعة من الصور الواقعية والحقائق الموضوعية التي كانت تقع تحت عينيه دون أن يلتزم فيها بتخطيط معين للشكل الذي يكتبه، فتارة يلتزم الطريقة الحوارية في التعبير عن صورته وتارة أخرى يستخدم الطريقة السردية وفي شكل ثالث يقدم لنا حدثه بعد أن يحدد شخوص صورته تحديدًا واضحًا.

وقد قصد الكاتب بحكاياته وصوره المنتزعة من الحياة أن يسوق لنا بعض المآسي التي يعيشها الناس من حوله لا بغرض التسلية والترفيه وإنما بغرض التبصر بالظروف والأحوال أو على حد قوله في نهاية صورته القصصية "الخائن": تريدون أن تتسلموا أيها الأصدقاء ما أظلمني وما أظلمكم عندما أرضى أنا وترضون أنتم بأن نتسلى جميعًا بمآسى الناس، نحن لسنا إلا من البشر. وكما أن للناس مآسي فنحن أيضًا لنا مع الحياة مآس وحكايات فالدنيا لا تخلو من شيء، وكما هي لك فهي أيضًا عليك".

وربما استطاع القارئ لهذه الصورة أن يدرك براعة الكاتب في صياغة الحوار المركز والمكثف بحيث يقربها كثيرًا من التكتيك القصصي أو الشكل الفني للقصة القصيرة ففيها المقدمة وفيها الحس التصويري كما أن فيها الحادثة التي تشتمل على بداية ونهاية.

إنها تصور حوارًا يدور بين "منيرة وخالد"، تلح فيه البطلة على حبيبها أن يتقدم لخطبتها بعد أن طالبت فترة الانتظار، وبعد أن كثر المتقدمون المرفوضون دون مكاشفة منها لسبب الرفض، ولكن خالدًا يطالبها بالتريث والتمهل، "وإذا بسماعة الهاتف تسقط من يدها والدموع تنهمر من مقلتيها وغدا البطل في نظرها شبيهًا بمزهرية جديدة حافظت عليها منيرة طيلة عامين كاملين ولكنها وقعت فتحطمت وتناثر زجاجها في كل جانب".

فالكاتب رغم اهتمامه بهذه الحادثة إلا أنه لم يقدم تبريرًا للمواقف والملابسات المحيطة بالشخصيات، وهذا ما أبعدها قليلاً عن القصة القصيرة التي يُشترط أن تكون أحداثها مبررة ومعللة بدقة.

أما في صورتيه الأخريين وأعني "آخر زمن، وسوالف عن أيام زمان" فإنه يعرض صراعًا من نوع آخر يدور بين الماضي الذي يمثله الرجل العجوز في الصورة الأولى وإبراهيم في الصورة الثانية وبين الحاضر الذي يمثله أحمد في الصورة الأولى، و"سعد وصالح وأحمد" في الصورة الثانية، وهو صراع يكشف عن تنافر وجهتي النظر. فالعجوز في الصورة الأولى يرى أنه لم ينجب واحدًا من الذين يُعتمد عليهم في تغيير المجتمع إذا صار ولده عبدًا للمظاهر فانصهر في السطحيات ولم يقدر قيمة الكرسي الذي يجلس عليه ولا قوته فابتلعه الكرسي ولم يبق عليه، أما إبراهيم في الصورة الثانية فيكاشف جيل الشباب بقوله: "في ذاك الزمان. كان أحلى الأوقات على القلب يوم ما نرجع من البحر، وعندما نرى أرض قطر كانت الدموع تندفع من عيوننا من شدة الفرح واليوم ما ندري متى نتضايق ومتى نفرح. فكل شيء اختلط علينا" ثم يؤكد ما قاله العجوز في الصورة الأولى بقوله: "إحنا اللي علينا سويناه والدور عليكم الحين".

ولعل الملاحظ أن هذه الصور القصصية تكاد تخلو من عنصر الخيال، كما أن الحادثة – أحيانًا – تغيب ولم يعد لها الأهمية القصوى في حين تبقى الفكرة التي نستشفها من الخطوط العامة للصورة ممثلة في حوار الشخصيات ولكنها مع ذلك تبدو خافتة لأن المؤلف يحجبها ولا يعطيها البروز الكامل، والوضوح التام.


ثانيًا: خليفة عيد الكبيسي و"أضواء كاشفة":

قدم الكاتب خليفة الكبيسي محاولات كثيرة من هذا اللون نشرت في مجلة العهد تحت باب "أضواء كاشفة"، منها: "كذبت الدمعة وصدق القلم وشجون عريس، والشبيه. بأبي عبيد"

ولا يستطيع الباحث أن يدرج هذه المحاولات في عداد القصص القصيرة في قطر لأنها رغم امتلاكها للحس القصصي إلا أنها افتقدت الأصول الفنية والأساليب التكتيكية، فجاءت في صورة تداعيات تجسد بعض المثالب التي يعيشها المجتمع القطري، كما يظهر فيها التدخل المباشر للكاتب بغية إقناع قارئه بفكرة معينة دون أن يعتمد على الوسائل الفنية في التبرير.

إنها يحاول في صورته الأولى (12) أن يعقد حوارًا بين الدمعة – التي تذرفها مقلتا طفل يتعذب بسبب خلاف دب بين والديه ودعاهما إلى الافتراق، وبين القلم الذي استطاع أن ينتزع من الدمعة أسرارًا عميقة يعيشها الطفل وهنا تتوسل الدمعة من القلم ألا يكاشف أحدًا بهذه الأسرار فيأبى القلم قائلاً: "بل سأفضحك أيتها الظالمة. سأنقلك في السطور فلعل والدي الطفل يعلمان بحالة ابنهما فيبادران في إنقاذه منك".


الثمرة الناتجة عن القصة في قطر:

إن للقصة دور مهم في حياتنا لأن بها ثقافة من نوع خاص وهي الثقافة الفكرية وهي تنمي العقل وتكسبه حلولا جديدة لمشاكله، فمثلا القصة البوليسية لها دور مهم جدا في تشغيل العقل والقصة الرومانسية تهدئ الأعصاب وتجعلك تعيش مع أبطالها أما قصص الفانتازيا فهي تنمي قدرتك على التخيل، وبجانب كل هذا وذاك أن قراءتك للقصص تزيد من قدرك الثقافي والمجتمعي.


الخاتمة:

أرى أن القصة أنها تعتبر نوع من انوع الادب الذي ظهر حديثًا، له خصائصه ومقوماته المستقلة عن غيره من أنواع الأدب القصصي، ولقد تأثر به الكتاب العرب خاصة لما له من جذور قديمة في بيئتهم والمتمثلة في "الحدوتة" والحكايات، حيث تعد القصة القصيرة بمثابة شكل من أشكال تطور الأدب العربي القديم الذي مر بمراحل تطور جاءت نتاجًا لما شهده العالم من تقدم ملموس في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات. كما أني رأيت أن القصة القصية قد ساهمت قطر بدور فعال في هذا النوع من الأدب، حيث بادر العديد من أدباءها تقديم القصة القصيرة ضمن أعمالهم، وعلى الرغم من اختلاف جهودهم وكمهم الإنتاجي فيها إلا أن هذا الانتاج ككل جاء ليعبر عما تشهده قطر من طفرة أدبية كبيرة، حيث نبغ العديد من الأدباء والكتاب والذين تحدثنا عنهم وعن أشهر ما قدموه خلال هذا البحث.


المراجع:

1. ملامح القصة القصيرة في الأدب القطري، ماهر حسن فهمي، العدد السادس، كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، جامعة قطر، 1983، ص11.
2. القصة القصيرة في قطر دراسة فنية إجتماعية، تاليف الدكتور محمد قافود والدكتور حسين عيد، والدكتور إقبال هيكل.
3. محمد كافود، النقد الأدبي الحديث في الخليج العربي، دار قطري بن الفجاءة للنشر والتوزيع الدوحة، 1982م ص 10
4. مقال بعنوان " 22 قصة قصيرة نمثل الاتجاهات الادبية القطرية " بقلم / خالد الحلى 14 اغسطس 2004 العدد 9391 جريدة العرب الدولية
5. طائفة من التخصصين، القصة القصيرة في قطر، مطابع الدوحة الحديثة، قطر 1985.


تاريخ القصة القصيرة وتطورها في قطر
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -