اقرأ أيضًا

مختصر وملخص تاريخ الدولة العثمانية

تاريخ الدولة العثمانية

حين تأسست الدولة العثمانية في بداية القرن الرابع عشر كانت مجرد إمارة صغيرة داخل حدود العالم الإسلامي تعتمد على فكرة الغزو ضد المعتدين وقد أخذت هذه الدولة الحدودية الصغيرة التي بدت غير مهمة حينئذ في التوسع بشكل تدريجي وذلك بإخضاع وضم الأراضي التابعة لبيزنطة في الأناضول والبلقان وقد أصبحت منذ 1517 حين ضمت إليها المنطقة العربية أقوي دولة في عالم الإسلام. وخلال عهد السلطان سليمان الأول 1620-1566م تولت الدولة العثمانية إلى قوة عالمية وذلك بفضل النجاحات المتتابعة في الأفاق الواسعة التي تمتد من أوربا الوسطي إلى المحيط الهندي إلا أنه خلال الحروب الطويلة في القرن السابع عشر مالت الكفة لصالح أوربا وهكذا أخذت تخبو القوة العثمانية تخضع لأروبا سياسيا واقتصاديا وقد أدي الوجود الطويل لهذه الدولة واحتمالات سقوطها إلى ان تحول إلى مشكلة في السياسة الأوربية أو ما سمي بـ "المسألة الشرقية" 1920.

ومع تغير الظروف على مدي مراحل متعددة كانت تتغير أيضا هياكل ومؤسسات هذه الدولة فالتغيرات التي حدثت في الهيكل الداخلي وفي التطور السادس عشر إلى دولة على النمط التقليدي للدولة الكلاسيكية للشرق الأدنى كالدولة الساسانية والدولة العباسية على نحو خاص وهكذا كانت الدولة العثمانية في نهاية القرن السادس عشر بما فيها من تقاليد الدولة والإدارة والسياسة المالية والنظام الزراعي والعسكري تمثل نموذجا عليا لدولة متطورة في الشرق الأدنى ولكن التفوق الأوربي العسكري والاقتصادي في عهد انحدارها أثار الوعي العثمانيين انفسهم بأن تقاليد دول الشرق الأدنى قد عاشت زمنها ولم تعد تستطيع التكيف مع الحقبة الجديدة. ومن تلك اللحظة يغدو التاريخ العثماني مجرد سرد وقائع لأشكال عفا عليها الزمن لمؤسسات إمبراطورية قديمة ولم يتخل الأتراك بشكل نهائي عن هذا المفهوم للدولة إلا بعد سنة 1924 والثورة الجذرية التي شهدتها تركيا.


الفصل الاول: أصول الدولة العثمانية:

في بداية القرن الرابع عشر هزت الأزمات الداخلية العنيفة الإمبراطوريات الكبرى التي تمتد من نهر جيحون أوكسوس oxus إلى الدانوب كدولة الإيلخانيين في إيران والقبيلة الذهبية في أوربا الشرقية والإمبراطورية البيزنطية في بلقان وغرب الأناضول وفي نهاية القرن نفسه سيتمكن أحفاد العثمانيين وهو أحد غزاة الحدود ومؤسس السلالة العثمانية من تأسيس إمبراطورية تمتد من الدانوب إلى الفرات ويعود الفضل في هذا غلي السلطان بايزيد 1389 – 1402م المعروف بلقب يلدريم الصاعقة فقد شتت في معركة نيقوبوليس خلال 1396م الجيش الصليبي الذي كان يضم من الفرسان ما تفخر به أوربا آنذاك وتحدي سلطنة المماليك التي كانت أقوي دولة إسلامية في ذلك الوقت وانتزع منها بعض المدن الواقعة عي الفرات كما تحدي في نهاية الأمر تيمور العظيم الحاكم الجديد لأسيا الوسطي وإيران.

إن هذه المرحلة الأولي من التاريخ العثماني تطرح السؤال التالي: كيف تضخمت إمارة عثمان الغازي الحدودية الصغيرة بفضل فكرة الجهاد ضد بيزنطة المسيحية وتحولت إلى إمبراطورية قوية وواسعة إلى ذلك الحد؟ هناك نظرية تقول: إن السكان الروم في حوض مرمرة باعتناقهم الإسلام وانضمامهم إلى المسلمين قد أحيوا الإمبراطورية البيزنطية على هيئة دولة إسلامية إلا أن المؤرخين المعاصرين الذين يعرفون المصادر التاريخية الشرقية عن كتب يعتبرون أن النظرية تعتمد على فرضية لا أساس لها.

ويعتقد هؤلاء المؤرخون أنه لابد من البحث عن جذور الدولة العثمانية في التطورات السياسية والثقافية والديموغرافية للأناضول في القرنين الثالث عشر والرابع عشر.

إن الفترة الأولي من هذه التطورات ترتبط بالحملات المغولية المدمرة في المشرق الإسلامي منذ العقد الثالث للقرن الثالث عشر وبعد انتصار المغول في معركة كوسه داغ Kosedag ف سنة 1243 تحولت سلطنة السلاجقة في الأناضول إلى دولة تابعة للإيلخانيين في إيران ومن نتائج غزوات المغول هجرة التركمان وهم قبائل الرحل التركية وقد استقر هؤلاء الذين يعود أصلهم إلى أسيا الوسطي في إيران وشرق الأناضول ثم تابعوا هجرتهم نحو الرب حيث استقروا هذه المرة في لمناطق الجبلية غرب الأناضول على طول الحدود وفي عام 1271م اندلعت انتفاضة في هذه المنطقة ضد المغول الوثنيين إلا أنها فشلت على الرغم من مساعدة القوات العسكرية المملوكية التي نفذت إلى الأناضول.

ونتيجة لهذا شدد الغول قبضتهم على المنطقة اكثر من ذي قبل بعد أن اصبحوا يحتفظون بقوات عسكرية دائمة لهم هناك وعلي الرغم من ذلك اندلعت انتفاضات جديدة في النصف الثاني من القرن الثالث عشر وكانت تنتهي في كل مرة بانتقام المغول وهكذا تحولت المنطقة الحدودية إلى ملجأ إلى القوات والشخصيات الهاربة من ظلم الغول كما أخذ يتجمع هناك كثير من أبناء الريف والمدن الباحثين عن حياة جديدة ومستقبل أفضل بعد أن تقطعت بهم السبل وقد ساهم كل هذا في ازدياد عدد السكان في هذه المناطق الحدودية ورغبة منهم في الاستقرار في السهول الخصبة الممتدة إلى ما وراء الحدود مع بيزنطة فقد أثارت هذه الفئات المتنقلة من السكان وهكذا فقد اخذ يتجمع المقاتلون من أصول مختلفة ول زعماء الغزو وأصبحت غزوات هؤلاء تتزايد في الأراضي البيزنطية.

وفي ما بين 1260 – 1320م تمكن زعماء الغزو من التركمان المقاتلين من تأسيس إمارات مستقلة في غرب الأناضول في الأراضي التي اقتطعوها من بيزنطية ويسجل المؤرخ البيزنطي المعاصر للأحداث باخيميرس ان سلالة باليولوغ الحاكمة التي استردت القسطنطينية في عام 1261 كانت منشغلة جدا بالأحداث في البلقان لرجة أنها أهملت حدودها الأسيوية، وفي العقد الأخير من القرن الثالث عشر كاد تسلل الغزاة التركمان إلى غرب الأناضول أن يتحول إلى غزو شامل ومن بين كل هؤلاء الأمراء كان الغازي عثمان يسيطر على مناطق في أقصي الشمال وحسب كتابات المؤرخ باخيميرس فقد بدأ الغازي عثمان حوالي سنة 1301م بحصار إزنيق العاصمة السابقة لبيزنطة وقد ارسل الإمبراطور لمقابلته جيشا من المرتزقة يتألف من ألفي جندي إلا أن العثمان أوقعه في كمين وهزمه بالقرب من بافيون Baphaeon ولقد جعل هذا الانتصار وكما حدث في الإمارات الحدودية الأخرى فقد حمل هؤلاء اسم زعيمهم واشتهروا باسم العثمانيين واخذ هذا النمط من الحملات السريعة والاستقرار اللاحق يجذب موجات من هذا القادمين من أصول مختلفة من وسط الأناضول إلا أنه بعد هذا الانتصار عام 1301م أخذت هذه الإمارة العثمانية تتوط بالفعل.

وقد حلت في الأراضي الحدودية ثقافة شعبية شاعت فيها الهرطقة الدينية والطرق الصوفية والأدب الملحمي والقانون العرفي محل الحضارة المتقدمة من المناطق الداخلية حيث التي تسود فيها المذاهب الدينية المعتمدة وعلم الكلام المدرسي وأدب البلاط المكتوب بلغة أدبية تتصل بالصنعة والتفنن وأحكام الشريعة وفي هذه الإمارات الأناضولية أصبحت اللغة التركية لأول مرة لغة الإدارة والأدب ومن ناحية أخري فقد كان المجتمع الحدودي يتسم بالتسامح والتعقيد معا.

ونتيجة لوجود أرضية مشتركة أصبحت القوات البيزنطية الحدودية الأكريتاي على اتصال وثيق بالغزاة المسلمين ويعتبر ميخال الغازي احد القادة العسكريين البيزنطيين في مناطق الحدود الذي اعتنق الإسلام وتعاون مع العثمانيين نموذجا مشهورا للعملية التي كان يتم فيها الأنصار في المجتمع الجديد.

ولم يكن الهدف من الجهاد تدمير عالم الكفر أو دار الحرب بل إخضاعه وهكذا فقد أسس العثمانيون إمبراطورتيهم بضم البلقان المسيحي إلى الأناضول السلم تحت حكمهم وقامت هذه الإمبراطورية بحماية الكنائس ملايين المسحيين الأرثوذكس مع أنها اعتمدت على الجهاد مبدأ رئيسيا لها لقد كان الإسلام يضمن حياة المسيحيين واليهود وممتلكاتهم شريطة أن يخضعوا وأن يدفعوا الضرائب ويسمح لهم كذلك أن يمارسوا شعائرهم الدينية وأن يعيشوا بحرية حسب أحكام شريعتهم ونظرا لأن المجتمع العثمانيين كان من المجتمعات الحدودية حيث كان يتم الاختلاط بحرية المسيحيين فقد كان العثمانيين يطبقون المبادئ الأساسية بليبرالية وتسامح كبيرين.

وفي المناطق التي سير عليها الغزاة كانت تطبق بسرعة إدارة الدولة الإسلامية القائمة على مفهوم الحماية حيث إن الشريعة تضمن بنفسها التسامح وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت حماية الفلاح باعتباره مصدرا للخل الضريبي سياسة تقليدية لدولة الشرق الأوسط التي شعت بدورها على التسامح ومن بين الضرائب كان الخراج يشكل نسبة كبيرة من دخل الدولة العثمانية أي كما كان الأمر مع دولة الخلافة العباسية كما كان في السابق.

من أجل ذلك فقد كان قدر الدولة العثمانية أن تصبح "إمبراطورية حدودية" حقيقية أو دولة كوسموبوليتية تعامل الأديان والأعراف وحدة واحدة وتضم المسيحيين الأرثوذكس للبلقان مع مسلمي الأناضول في دولة واحدة.

تبنت إمارة الغزاة في غرب الأناضول بسرعة تقاليد ومؤسسات سلطنة السلاجقة وهكذا تحولت بعض المدن مثل قسطموني Kostomonu وقرة حصار ودنيزلي التي بنيت في المناطق الحدودية القديمة للسلاجقة إلى مراكز للحضارة السلجوقية ومن هذه المدن وغيرها من مدن غربي الأناضول قام الولاة والعلماء بنقل تقاليد الدول والحضارة الإسلامية إلى مراكز إمارات الغزو الجديدة مثل ميلاس Milas وبالات Balat وإزمير Izmir وبركي Birgi ومغنيسة Manisa التي تأسست في الأراضي التي كانت تابعة لبيزنطة وأصبحت كل إمارة سلطنة صغيرة – قام أورخان ابن عثمان بسك أول عملة فضية في بورصة خلال سنة 1327م وتأسيس مدرسة إزنيق في عام 1321م وقام في عام 1340م ببناء مركز تجاري في بورصة يضم سوقا وبزستان وقد زار الرحالة العربي ابن بطوطة بورصة في عام 1333 ووصفها بانها مدينة كبيرة ذات أسواق جميلة وشوارع واسعة.


الفصل الثاني: من إمارة حدودية إلى إمبراطورية 1354-1402:

في خمسينيات القرن الرابع عشر كانت الدولة العثمانية مجرد إمارة من الإمارات الحدودية الكثيرة إلا أن الأحداث التي تلت سنة 1352م وطدت تفوق هذه الدولة وجعلت كل الإمارات الأخرى تابعة لها خلال ثلاثة عقود من الزمن وارتبط هذا التحول الحاسم بكسب العثمانيين لموطئ قدم لهم في البلقان يتيح لهم التوسع باستمرار في اتجاه الغرب لقد كان العبور الأناضول إلى أوربا امر محفوفا بالمصاعب لان الدردنيل كان يسيطر عليه المسيحيون فالقوات التي كان العثمانيون يرسلونها إلى تراقيا لم يكن باستطاعتها الصمود إذ أن البيزنطيين كانوا يتمكنون في كل مرة من القضاء عليها وقد استمر هذا الوضع إلى أن حلت إمارة قرة سي Karesi الواقعة على الشاطئ الشرقي للدردنيل هذه المشكلة لصالح العثمانيين.

وفي الواقع لقد ساعدت العثمانيين حينئذ سلسلة من الأحداث لإحراز هذا النصر ففي عام 1345م سهل النزاع على العرش الذي اندلع في إمارة قرة سي على الأمير أورخان أن يضم هذه الإمارة إليه.

وهكذا ساعدت قوات هذه الإمارة عبور القوات العثمانية للدردنيل بقيادة سليمان بن أورخان قائد القطاع الغربي تحالف مع يوحنا كانتاكوزين الخامس الذي كان يطالب بالعرش البيزنطي وتزوج من ابنته ثيودورا وقد سمح هذا التحالف للعثمانيين بالتدخل في الشؤون الداخلية لبيزنطة وحتي في المشاركة في الحرب الدائرة في تراقيا وهكذا حين ذهب سليمان في عام 1352م إلى أدرنة لمساعدة كونتاكوزين ضد القوات الصربية والبلغارية خذ في طريقة قلعة تسيمبة Tzympe التي تقع على الطرف الأوربي من مضيق غاليبولي ولم يكتف حينئذ برفض مطالب كونتاكوزين بالانسحاب من هذه القلعة بل اخذ يوطد وجوده هناك باستقدام قوات جديدة من الأناضول وحصار قلعة غاليبولي وفي ليلة 1-2 اذار مارس 1354م حدث زلزال أدي إلى تدمير اسوار قلعة غاليبولي وغيرها من القلاع في المنطقة مما سهل على سليمان السيطرة عليها وبعد أن قام بترميم هذه القلاع واستقدام قوات أخري من الأناضول للتمركز فيها تمكن سليمان من توطيد الوجود العثماني في الأرض الأوربية من مما أثار انزعاج بيزنطة والعالم الغربي المسيحي وهكذا نجد أن سفير البندقية في القسطنطينية يكتب في أب أغسطس 1354م أن القسطنطينية وهي تواجه هذا الخطر مستعدة لتضع نفسها تحت حماية إحدى الدول المسيحية القوية أما أوربا فقد أخذت تعد الخطط لحرب صليبية لا تهدف إلى استرجاع القدس بل إلى إنقاذ القسطنطينية من العثمانيين كما انبعث الحماس هناك من جديد لمشروع توحيد الكنائس الغربية والشرقية.

وفي هذا الإطار نقل غريغوري بالاماس Palamas مطران سالونيك فتحها العثمانيون في عام 1354م بعد غاليبولي كلمات الذين أسروه "إن التقم المستمر للإسلام من الشرق إلى الغرب يمثل دليلا واضحا على أن الله يساعدهم وعلي أن الإسلام هو الدين الصحيح"

لسليمان عام 1357م واسر الفوجيايين لخليل الابن الأصغر لأورخان أرغمت أورخان على عقد صلح مع بيزنطة وقد شجعت هذه الأحداث بيزنطة فحاولت استرداد تراقيا بالوسائل الدبلوماسية وهكذا أصبحت الأراضي التي كانت تحت سيطرة سليمان مهددة بينما أخذت القوات العثمانية الحدودية تضطرب هناك وفي عام 1359م حين انفك اسر خليل أدرك الأمراء الغزاة أن جمود الوضع يمكن أن يسبب لهم الهزيمة ويجبرهم على الانسحاب من أوربا ولذلك فقد قرر مراد ابن السلطان وقائد قطاع غاليبولي وبتشجيع من معلمة لا لا شاهين المعروف بشجاعته أن يطلق حملة جديدة بهدف السيطرة على أدرنه وهكذا تمكن الاثنان في السنة الأولي من فتح القلاع الواقعة على طول وادي ماريتسا بالإضافة إلى القلاع الواقعة على الطريق الرئيسي الذي يربط القسطنطينية بادرنه مما قطع خطوط التموين للمدينة.

كانت السياسة المتبعة في الأراضي المفتوحة عبر تراقيا تشبه تلك التي كانت تتبع في الأناضول فقد كان السكان الروم يلجؤون تحت ضغط الحملات المتواصلة للغزاة إلى القلاع أما سكان المدن فقد كان الذين لا يقاومون يضطرون إلى مغادرة مدنهم وتركها للأتراك ومن ناحية أخري أسس الدراويش زوايا كثيرة تحولت في ما بعد إلى نوي لقري عثمانية جديدة وهكذا فقد بدأ توطين الأتراك في تلك الأراضي فورا بعد فتح تراقيا مما خلق هناك قاعدة قوية للتوسع العثماني اللاحق في أوربا.

كان التوسع العثماني في البلقان محكوما في الواقع بالظروف الجغرافية فقد تبع الأتراك الطريق المعروف فيا اغناتيا via Egnatia باتجاه الغرب حيث وصلوا عبر سرز serres ومناستر Monastir واوهريد Okhrida إلى الشاطئ الألباني في عام 1385م وفي مقدونيا وألبانيا قبل الحكام المحليون حينئذ بالسيادة العثمانية أما الخط الأخر للتغلغل العثماني فكان يمتد عبر تساليا حيث سقطت سالونيك بيدهم سنة 1387م بينما كان الخط الثالث يتابع الريق الرئيسي الذي يربط القسطنطينية ببلغراد حيث سقط وادي ماريستا سنة 1367م بيد العثمانيين بعد مقاومة بسيطة وفي 1395م تمكن العثمانيون من التغلغل عبر جبال البلقان وذلك من خلال صوفيا ونيش والسيطرة على وادي مورافا وإخضاع صربيا في السنة اللاحقة وفي القطاع اليساري سار الغزاة عبر وادي تونجة Tundzha وعبروا جبال البقان من خلال مضيق كارنوباي وفي عام 1372م اخضع العثمانيون أمير جبال البلقان من خلال كارنوباي وهكذا فقد سيطر الأتراك في ذلك الوقت على الرق الرئيسية في شبة الجزيرة وطبقوا مرة أخري السياسة التي اتبعوها بعد فتح غاليبولي وهي استقدام القبائل الرحل ولذل فقد برزت المدن العثمانية الرئيسية في البلقان في الأطراف وبالتحديد على طول الطرق التي كانت مهمة للتغلغل هناك فقد تأسست المن ذات الكثافة السكانية في الأطراف الحدودية لتراقيا وادي مارتيسا ووادي تونجة أما الحكام المحليون المجاورون للأراضي العثمانية في البلقان فقد قبلوا بسيادة السلطان العثماني الذي اصبح يعتبر حاكم شبه الجزيرة البلقانية.

كان العثمانيون يحترمون الأسس الإقطاعية ففي البداية كانوا يكتفون بجزية سنوية محدودة من الحكام الذين يعلنون خضوعهم للدولة الإسلامية وفي وقت لاحق كانوا يطالبون الحاكم أن يرسل ابنه كرهينة وان يأتي إلى البلاط العثماني مرة في السنة لتأكيد وفائه وان يرسل قوات للمساعدة في الحملات التي يقودها السلطان وإلي جانب هذا اصبح يطلب من الحكام الخاضعين أن يعتبروا حلفاء السلطان حلفاء لهم وأعداء السلطان أعدائهم وفي حال إخلال الحاكم الخاضع بهذه الواجبات كانت إمارته تعلن دار حرب ويترك بعد أن فشل البابا في تنظيم حملة صليبية لمساعدة بيزنطية بشرط توحيد الكنيستين وبعد أن تعرض الأمراء الصرب القيصر البيزنطي خاضعا بالفعل لهم واخذ أفراد أسرة باليولوغ يطلبون مساعدة السلطان لحماية العرش البيزنطي وفي حالة حذا حكام البلقان حذو بيزنطة.


الفصل الثالث: الاحتضار والانبعاث:

بعد الهزيمة بالقرب من أنقرة كان يمكن للدولة العثمانية أن تتفتت بسهولة إلا أن العثمانيين سرعان ما تمكنوا حوالي سنة 1415م من استعادة مواقعهم في البلقان والأناضول بينما حققوا بفتح القسطنطينية في عام 1453م الطموحات الإمبراطورية لبايزيد الأول وتبقي هنا المسألة التاريخية المركزية خلال 1402-1453م تحتاج إلى تفسير: كيف تمكنت الدولة العثمانية من الانبعاث بمعجزة الوقت الذي كانت تتهددها الحروب الأهلية والحملات الصليبية والأزمات الأخرى الكفيلة بتحطيمها تمما؟

لقد قام محمد جبلي الابن الأصغر لبايزيد الأول بتوطيد سلطته في الأناضول فاستولي أولا على أماسيه وبورصة ثم حاول أن يسيطر على البلقان وأدرنه أما أخوه الأكبر سليمان جبلي 1402-1411م الذي كان يتخذ من أدرنه مقرا له، وقد اتخذ بعض الحكماء في البلقان والأناضول موقفا سلبيا من الصراع إذ كان يفضل هؤلاء المحافظة على الوضع الراهن بعد هزيمة انقره فمع انبعاث الإمارات المستقلة في الأناضول بعد عام 1402م نجد أنه في البلقان أيضا قام حكام مستقلين وفي عام 1403م وقع سليمان جبلي اتفاقية مع البيزنطيين تنازل لهم فيها عن سالونيك وعن بعض المناطق المطلة على البحر وفي الواقع لقد كان الإمبراطور البيزنطي خلال فترة الاحتضار يحاول دعم الإمارات العثمانية الضعيفة ضد الأخرى القوية للحفاظ على نوع من التوازن وهكذا عندما أصبح موسي جبلي 1411-1413م قويا في البلقان ساعد البيزنطيون محمد جبلي على الانتقال بقواته من الأناضول إلى البلقان وقد تحالف أمير صربيا مع محمد جبلي أيضا وساعده على إحراز انتصاره الحاسم ولكن عندما نجح محمد في ضم بعض الإمارات الأخرى أدرك حكام بيزنطة والبلقان أنه أصبح مصدرا للخطر على وجودهم وهكذا في عام 1416م اجتمعت البندقية وبيزنطية وفلاشيا على الدولة العثمانية التي تمكن محمد من توحيدها حينئذ مما جعل هذه الدولة تعيش من جديد في خطر التفتت والتلاشي.

فقد اندلع تمرد في البلقان في 29أيار مايو 1416م ضد السلطان محمد بقيادة الأخ الأخر له مصطفي بدعم من بيزنطية وفلاشيا بينما قام أسطول البندقية بتحطيم القوات البحرية العثمانية في غاليبولي وكما دعم مصطفي في تمرده أخذ أمير فلاشيا ميرتشا يدعم الأن الشيخ بدر الين الذي قاد انتفاضة خطيرة في غرب الأناضول وفي دوبروجا ودليورمان في البلقان أي في المنطقتين اللتين كان ميرتشا يطمح في السيطرة عليهما وفي غضون ذلك برز في الأناضول شاه روح ابن تيمورلنك الذي أخذ يهدد كل من يحاول تغيير الوضع الذي خلفه والده له وهكذا تحول محمد ثانية إلى بلقان ليهاجم الأمير ميرتشا فقط الذي ارغمه على التراجع إلى ما وراء الضفة الأخرى من الدانوب بينما تمكن عام 1419م من تحويل جورجيفا إلى مركز عثماني متقدم على الضفة اليسرى للدانوب لقد أدرك محمد منذ عام 1416م أنه لا يزال الوقت مبكرا لإحياء إمبراطورية بايزيد ذات الحكم المركزي ولذلك فقد أخذ يميل إلى سياسة سلمية.

لقد دلت أحداث هذه الفترة على أن العائلات الأناضولية ذات النفوذ التي كانت تحتفظ بالأرض سواء باسم الوقف أم باعتبارها من الأملاك والعشائر التي كانت توفر الوحدات المقاتلة كانت تعارض الإدارة العثمانية المركزية وقد كان من بين هذه العائلات السلالات الحاكمة السابقة التي ضمن لها العثمانيون الامتيازات الشخصية بعد أن أخضعوها وقد انطبق الحال على السلالات المحلية الحاكمة في البلقان وهكذا فقد تحول إقليم دوبروجا – دليورمان الحدودي الذي يتميز بكثافة سكانية كبيرة إلى وكر للانتفاضات في القرن الخامس عشر.

إلا أنه في المقابل كانت هناك عوامل إيجابية تعمل لصالح الوحدة العثمانية والغدارة المركزية ومن أقوي هذه العوامل كان القول أو النظام العثماني للمماليك فقد كانت فرقة الانكشارية التي وصل عدد أفرادها 6-7 ألاف تؤمن السلطان العثماني تفوقا مهما في وجه منافسيه.

وفي الولايات أنشأ العثمانيون هناك الفرق العسكرية للولاة الذين ينحدرون من القول والقوات العسكرية للسباهية مما عزز السلطة المركزية التي كانوا يمثلونها والتي كانت بدورها تضمن لهم وضعهم الخاص كما أن الفلاحين والتجار وجدوا أنفسهم في وضع افضل والعامل الأخر كان يتمثل في التأثير الكبير للسلطان العثماني في نظر السكان المسلمين إذ إنه كان القائد الأعلى للجهاد وهو المركز الذي كان له ميزات معنوية مادية مهمة.


الفصل الرابع: التأسيس النهائي للإمبراطورية العثمانية 1453-1526:

بقيت الإمبراطورية البيزنطية تقاوم العثمانيين نصف قرن من الزمن وذلك بعد غزو تيمورلنك معتمدة في ذلك على التلاعب بورقة الطامعين بالعرش العثماني والتهديد بشن الحملات الصليبية الجديدة وهكذا فقد استغلت بيزنطة انشغال محمد الثاني بالهجوم على قرامان وهددت بإطلاق سراح أورخان المطالب بالعرش العثماني لترغم السلطان على تقديم بعض التنازلات وفي الواقع لقد كان هذا القداس استعراضا للاتحاد الموجه ضد العثمانيين.

وهكذا أرغمت الظروف الخارجية والداخلية محمد الثاني على فتح القسطنطينية ولإبعاد الشبهات عن ذلك قام جاندرلي بعقد صلح جديد مع هنغاريا والبندقية وكان محمد الفاتح قد عمد قبل حصار القسطنطينية إلى السيطرة على البوسفور وبناء قلعة روملي حصاري على الشاطئ التي بناها جده بايزيد الأول مما جعل من المستحيل عبور أية سفينة في البوسفور دون إذنه من السلطان.

كان عدد القوات المدافعة عن المينة حوالي 8500 بينما لم يقل عدد الجيش العثماني النظامي عن 50 ألف مقاتل وقد قصف محمد الفاتح المدينة بأضخم مدافع عرفها العالم حتى ذلك الحين وفي الواقع إن اختراق هذه المدينة التي لم تكن تفوقها في التحصين أية مدينة أخري في العصر الوسيط يعني فيما يعنيه انتصار هذا السلاح الجديد.

فالمصادر العثمانية والغربية تتفق فيما بينها على أن العثمانيين دخلوا المدينة خلال الهجوم العام من خلال ثغرة في الأسوار أحداثها المدافع.

وكانت القوة المدافعة تتألف بشكل رئيس من المرتزقة الجنوبين الذين فتر حماسهم للقتال بعد أن جرح قائدهم يوستنيان لونغو وفر من المدينة على ظهر سفينة وإلي جانب هؤلاء شارك في الدفاع عن أسوار المدينة سفير البندقية والمطالب بالعرش العثماني وفي غضون ذلك اندلع النزاع بين الإيطاليين والسكان اليونان المحليين.

وفي الوقت نفسه استمر الخلاف في معسكر السلطان بين جاندرلي الذي كان يخشي من فشل الحصار ويطالب بوقفه وبين السلطان وقادته الذين كان يرتبط مصيرهم بهذا الانتصار ونظرا لإصرار السلطان على موقفه فقد تحدد موعد الهجوم النهائي في 29 أيار مايو1453م وتولي زغنوس الإعداد لهذا الهجوم وهكذا تمكن الجيش العثماني في صباح 29 أيار مايو من تحطيم المقاومة ودخول المدينة من خلال ثغرة في الأسوار ولم يرغب السلطان حينئذ في السماح بسلب عاصمته القادمة إلا أن الشرعية كانت تبيح جمع غنائم الحرب خلال ثلاثة أيام ونظرا إلى أن المدينة فتحت عنوة فقد كانت الأملاك المنقولة حسب الشريعة غنيمة الجنود وقد تجول محمد الثاني على رأس مرافقيه في اليوم الأول للفتح في المدينة حيث امر بوقف السلب فيها ثم توجه إلى أيا صوفيا للصلاة فيها وقد حول حينئذ هذه الكنيسة إلى جامع كما اتخذ القسطنطينية عاصمة له قائلا "من الأن ستكون إستنبول عاصمتي".

بعد هذا الفتح استقر الفاتح الشاب في عرش القياصرة وفي الواقع لقد تجاوزت الفتوحات التي قام بها باسم الجهاد كل ما انجزه السلاطين من قبله ولذلك كان يعتقد أن قوته الشخصية لا حدود لها وكان الفاتح قد امر مباشرة بعد فتح القسطنطينية بحبس جاندرلي بتهمة الخيانة وقتله مما جعل السلطة الأن في أيدي منافسيه بحبس جارندلي بتهمة الخيانة وقتله مما جعل السلطة الأن في أيدي منافسيه ولكي يتخلص من التنافس على العرش الذي هدد وحده الدولة العثمانية فقد بحث الفاتح عن أورخان وقتله كما أمر أيضا بقتل أخيه الأصغر أحمد.

لقد قام محمد الفاتح بعد ذلك وخلال ربع قرن بتنظيم الحملات العسكرية المتتابعة وتمكن من تأسيس إمبراطورية مركزية تضم بلقان والأناضول ومع عدم وجود ما يدل على القول بأن محمد الفاتح ق أنجز ما انجزه وفق خطة مسبقة، طالما أصبح يجلس على عرش بيزنطة وحول هذا فقد رد البابا بيوس الثاني بأنه: غذا كان يريد شرعية لما يقوله فيجب أن يكون مسيحيا وحسب المؤرخ المعاصر ابن كمال فق رأي محمد الفاتح بألا يترك على قيد الحياة أي يوناني من الأسرة الملكية يمكن أن يكون له حق في العرش.

لقد أدرك محمد الفاتح بشكل جلي الأهمية الاستراتيجية لإستنبول حتى غنه كان يعتقد أن بإمكانه أن يحكم العالم فيما لو تمكن أسطوله من دخول ميناء المدينة.

وهكذا بعد أن حاصر البوسفور في عام 1452م ببناء قلعة روملي حصاري فقد سيطر تماما على الدردنيل في عام 1462م بعد أن بني قلعتين في جناق قلعة، قلعة على كل جانب من جانبي المضيق ومع إنشاء التحصينات في بوزجاده Tenedos فقد وطد هذا النظام الدفاعي الذي كان يحمي إستنبول والمضائق من أي هجوم.

لقد وضع العثمانيون حداً طبيعياً لدولتهم في الشمال يتمثل في نهر الدانوب. وانتهج محمد الفاتح في البلقان السياسة التالية: منع أية دولة أجنبية من أن تمد نفوذها في منطقة البلقان جنوبي الدانوب، وضم أي منطقة تجد فيها الدعم. وهكذا فقد تبلورت هذه السياسة بوضوح حين قام بضم المورة في عام 1460م، وألبانيا الشمالية خلال 1464- 1479م والبوسنة في عام 1463م. ونظراً لاستمرار وجود الخطر المتمثل في تعاون الأمراء والأسر الحاكمة المحلية مع العدو في حالة الهجوم، فقد حاول محمد الثاني التخلص من كل الأسر الحاكمة المحلية في البلقان وذلك بإبعادها عن مراكزها وتعويضها بامتيازات، أو بتعيينها على رأس ولايات بعيدة. فبعد فتح المورة – على سبيل المثال – خصص لديمتري باليولوغ راتب قدره 300 ألف أقجة، إلا أنه تخلص فيما بعد من آل كومنن في طرابزون ومن ملك البوسنة لأنه كان يعتبرهم خطيرين. كان الهم الرئيس لمحمد الفاتح في البلقان استئصال النفوذ الهنغاري. ففي عام 1451م تمكن أمير صربيا جورج برانكوفيتش بمساعدة من هنغاريا من ضم منطقة كروشفاتس Krusevac مما كان يعني امتداد النفوذ الهنغاري إلى قلب البلقان. وهكذا قام محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية بأربع حملات عسكرية لإخضاع صربيا، التي تمكن من ضمها أخيراً في عام 1459م. وعلى الرغم من هذا فقد أرغمته هنغاريا في عام 1456م على فك الحصار عن بلغراد. أما في عام 1461م فقد تحالف أمير فلاشيا فلاد دراكول V. Darkul مع هنغاريا، وهاجم العثمانيين عبر الدانوب. وقد رد محمد الفاتح في السنة اللاحقة بالأسلوب ذاته، إذ توغل في فلاشيا وأزاح دراكول عن السلطة ليعين عوضاً عنه رادول Radul، وليبعد بهذا الخطر الذي تشكله هنغاريا عليه. أما في البلقان فقد كان نفوذ البندقية يهدد التفوق العثماني في المورة وألبانيا.


الفصل الخامس: الدولة العثمانية قوة عالمية 1526 – 1596:

حتى عام 1596م لم تعد هناك في السياسة الدولية أية مسألة لا تعني العثمانيين. ففي 1519م برز شارل الخامس من آل هابسبرغ وفرانسوا الأول ملك فرنسا كمرشحين لتاج الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وقد وعد كل واحد منهما بهذه المناسبة أن يستنفر كل القوى الأوروبية ضد العثمانيين. وقد رأت الهيئة المنتخبة حينئذ أن شارل الخامس هو الأفضل لهذا التاج، ولكن بعد الانتخاب بفترة قصيرة في آذار (مارس) 1521م اشتعلت الحرب بين هذين العاهلين الأوروبيين. وهكذا جاء هذا الانقسام الأوروبي لصالح العثمانيين، ولذلك قرر السلطان سليمان أن ينطلق الآن باتجاه بلغراد "بوابة أوروبا الوسطى" التي فتحها في 29 آب (أغسطس) 1521م. وفي 21 كانون الثاني (يناير) 1522م انتزع السلطان أيضاً "مفتاح شرق المتوسط" رودس من أيدي فرسان القديس يوحنا.

وفي هذا الإطار لم يجد الفرنسيون بعد أن وقع ملكهم فرانسوا الأول في أسر شارل الخامس، في معركة بافيا عام 1525م، سوى أن يطلبوا المساعدة من العثمانيين. وبعد إطلاق سراح فرانسوا الأول قال لسفير البندقية إنه أصبح يعتبر الدولة العثمانية القوة الوحيدة القادرة على ضمان وجود الدولة الأوروبية في وجه شارل الخامس. وقد رأى العثمانيون بدورهم أيضاً أن التحالف مع الفرنسيين أفضل وسيلة لكي لا تسيطر قوة واحدة على أوروبا. وهكذا في شباط (فبراير) 1526م أصبح في وسع سفير فرنسا أن يقول للسلطان العثماني إن إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة سيصبح "حاكم العالم" فيما لو قبل فرانسوا الأول بشروط شارل الخامس.

في السنة التالية تقدم السلطان سليمان على رأس جيش ضخم ضد هنغاريا. ومع الانتصار العثماني في موهاتش (28 آب 1526م) وفتحهم لبودا أصبح العثمانيون يهددون آل هابسبرغ من وراء ظهرهم. وقد اكتفى العثمانيون آنذاك بأخذ منطقة سريم Srem فقط بينما انسحبوا من بقية هنغاريا، حيث قام المجلس الهنغاري هناك بانتخاب ملك جديد للبلاد – يوحنا زابوليا Zapolya. وفي الواقع لقد فضل العثمانيون في البداية أن تكون هنغاريا دولة تابعة لهم كما كان الأمر مع مولدافيا، لأن تطبيق الحكم العثماني المباشر في بلاد غريبة بشكل كامل على الطرف الأبعد لنهر الدانوب كان صعباً ومكلفاً. إلا أن أنصار آل هابسبرغ في هنغاريا انتخبوا ملكاً آخراً للبلاد، الأرشيدق فرديناند شقيق الإمبراطور شارل الخامس، الذي قام في السنة اللاحقة بالسيطرة على بودا وإبعاد زابوليا. وقد رد السلطان سليمان على ذلك بحملة جديدة على هنغاريا، حيث تمكن في 8 أيلول (سبتمبر) 1529م من إعادة زابوليا إلى الحكم في بودا كحاكم تابع للعثمانيين. وقد وافق زابوليا آنذاك أن يدفع جزية سنوية، وأن يقبل بوجود وحدة إنكشارية في قلعة المدينة. ومع أن موسم الحملات العسكرية قد انقضى، فقد تابع السلطان سليمان توغله باتجاه فيينا نفسها عاصمة آل هابسبرغ، إلا أنه اضطر للانسحاب بعد حصار دام ثلاثة أسابيع.

وفي عام 1531م اقتحم فرديناند هنغاريا للمرة الثانية وحاصر بودا. وقد رد السلطان سليمان على ذلك في السنة اللاحقة بحملة ضخمة اخترقت هنغاريا ووصلت إلى قلعة كونز Guns، التي لا تبعد سوى 60 ميلاً عن فيينا، حيث كان يأمل السلطان بجر شارل الخامس إلى موقعة حاسمة. إلا أنه في تلك اللحظة نجح أندريا دوريا أدميرال شارل الخامس في انتزاع ميناء كورون في المورة من العثمانيين. وقد أدرك السلطان سليمان حينئذ أنه لابد من فتح جبهة ثانية في المتوسط ولذلك وضع السلطان كل القوة البحرية العثمانية تحت قيادة البحار التركي المعروف وفاتح الجزائر خير الدين باربروسا، وأوصاه بالتعاون مع الفرنسيين. وكان الفرنسيون منذ عام 1531م يحاولون إقناع السلطان بالهجوم على إيطاليا، بينما أصبحوا يطلبون منه الآن تحالفاً رسمياً، الأمر الذي تحقق أخيراً في 1536م. وحسب هذا التحالف فقد سمح السلطان للفرنسيين، كأمة صديقة، بحرية التجارة في أرجاء إمبراطوريته. وقد ضمن السفيران شفوياً التفاصيل السياسية والعسكرية للتحالف، واحتفظ الجانبان بذلك بينهما سراً. ومن الطبيعي أن يوفر هذا التحالف بين فرانسوا الأول والعثمانيين مادة مناسبة لمنافسه (شارل الخامس) ليشن عليه حملة دعائية ضده في العالم المسيحي الغربي. وقد اقنع الإلحاح الفرنسي السلطان سليمان بأن حربه مع شارل الخامس لا يمكن أن ينهيها بنجاح إلا بهجوم على إيطاليا. وجرى الاتفاق حينئذ على أن يسيطر الفرنسيون على شمال إيطاليا بينما يفتح العثمانيون جنوب إيطاليا. وهكذا فقد جلب السلطان سليمان في عام 1537م جيشه إلى ميناء فلورا Vlora بألبانيا، حيث قام من هناك بحصار موانئ البندقية في ألبانيا وجزيرة كورفو، حيث جاء قسم من الأسطول الفرنسي لمساعدة العثمانيين. ومع أن الفرنسيين عقدوا في السنة اللاحقة الصلح مع شارل الخامس، إلا أن فرانسوا الأول أراد الاستفادة من الضغط العثماني ليضم إليه ميلانو، وعندما تراجع شارل الخامس عن وعوده. عاد فرانسوا الأول إلى سياسته السرية التي تقوم على التحالف مع العثمانيين.


الخاتمة:

إن السبب الرئيس للاضطراب والفوضى التي خلخلت حياة الدولة العثمانية في تلك الفترة إنما يكمن في العبء الكبير الذي ألقي عليها نتيجة الحروب مع إيران والنمسا. فبعد هزيمتهم في ليبانتو لم يعد العثمانيون قادرين على الحفاظ على تفوقهم في المتوسط. وهكذا عزز ملك إسبانيا موقعه في أوروبا، وذُبح في فرنسا الكالفينيون الذين كان يؤيدون العثمانيين خلال مجازر ليلة القديس برتولومي. أما في هولندا فقد عزز الإنسان حملاتهم ضد المتمردين، كما أخذوا في الوقت ذاته يضغطون على الإنكليز، وفي عام 1580م ضموا مملكة البرتغال ومستعمراتها. وعلى الرغم من الصلح الذي عقده السلطان مع إسبانيا في عام 1578م، لكي يوجه كل قدرات الإمبراطورية ضد إيران، فإنه أرسل رسائل تشجيع إلى الهولنديين وسعى إلى إقامة علاقات صداقة مع الإنجليزية بمنحهم امتيازات تجارية، وأبدى اهتماماً بالمحاولات التي كانت تجري لإحياء مملكة البرتغال. إلا أن تحطيم الأسطول الإسباني (الأرمادا) في عام 1588م ترك نتائج مهمة في المتوسط. فمع تراجع قوة إسبانيا لم تعد هذه المنافسة الكبيرة للدولة العثمانية قادرة على أن تتخذ أية مبادرة مهمة في المتوسط. ولكن العثمانيين لم يستفيدوا من هذا الظرف.


المراجع:

1. أنيس، محمد، الدولة العثمانية والشرق العربي الناشر مكتبة الانجلو المصرية الطبعة الأولي 1984.
2. حسونه، علي، تاريخ الدولة العثمانية – المكتب الإسلامي – بيروت – الطبعة الأولى – 1400هـ.
3. حرب، محمد، العثمانيون في التاريخ والحضارة، دار القلم، دمشق الطبعة رقم الاولي، 1989.
4. شاكر، محمود، التاريخ الإسلامي (العهد العثماني) – الجزء الثامن – الطبعة الثانية – المكتب الاسلامي – بيروت – 1407هـ - 1987م.
5. طقوش، محمد سهيل، تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى انقلاب على الخلافة، دار القلم للطباعة والنشر.


مختصر نشأة وتاريخ الدولة العثمانية
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-