اقرأ أيضًا

العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية

الغذاء وتأثيره على الصحة النفسية

لقد زاد الاهتمام بالعلاقة بين الصحة النفسية والتغذية في الآونة الأخيرة وأصبح موضوعا للعديد من الأبحاث العلمية، إلا أن العلماء يواجهون تحديات الأطباء غير المقتنعين بوجود هذا الارتباط رغم الاستجابات الإيجابية لمن قاموا بإحداث تغييرات على نظامهم الغذائي، مما يؤكد أهمية التغذية في الحفاظ على الصحة النفسية أو تحسينها. وقد شهدت الثمانون عاماً الماضية تقدماً كبيراً في البحث والتجارب على الحيوان والإنسان لتظهر كيفية تأثير أطعمة معينة في تغيير بنية الدماغ وخواصه الكيميائية والفيزيولوجية التي تؤثر على المزاج والأداء، فالطعام يؤثر بشكل مباشر في نظام النقل العصبي، والنواقل العصبية في الدماغ، وتسبب التأثير الكبير في المزاج بشكل مؤقت على الأقل، فإن للمزاج دوره في التأثير على خياراتنا الغذائية. وسوف أتطرق في بحثي هذا للتعرف على تأثير الغذاء على النفسية.


تعريف الصحة النفسية:

الصحة النفسية هي ما يحدث في نفسية الفرد من تغيرات سواء سلبية أو إيجابية، والعامل الرئيسي في هذه التغيرات هو الطعام. تؤثر بعض الأطعمة إيجابياً على إفراز بعض الكيماويات بالمخ، والتي تؤثر بدورها مباشرة على تحديد حالتنا النفسية وطاقتنا الذهنية ومن ثم أدائنا وتصرفاتنا. فالغذاء يعتبر من الأمور التي تؤثر وتتأثر بمزاج الفرد، إذ يرتبط أسلوب تناول الطعام لدى الإنسان بعدد من الجوانب النفسية. فتتأثر النفسية كثيراً بالطعام، فيوجد بعض الأطعمة التي تعمل على تغيرات في النفسية لدي الفرد، فتُحدث أثر نفسي كبير. فنجد أن النفسية تتأثر سريعاً بالمتغيرات التي تطرأ في حياة الشخص، وقد يحدث بعض المشاكل النفسية مثل الاكتئاب والتوتر والقلق، فيعمل الطعام في بعض الأوقات على حل هذه المشاكل، ولكن في بعض الأوقات يعمل الطعام على إحداث هذه المشاكل.


الطعام وتأثيره على الحالة النفسية:

1- يتوجه البعض لتناول الطعام دون الشعور برغبة في تناول الطعام، بل لإشباع رغبة أو حاجة نفسية يشعرون بها، وفي هذه الحالة فإن الإقبال على تناول الطعام يكون نتيجة لوجود نقص عاطفي، ويمكن ربط تناول الطعام مع الرغبة في إشباع عاطفة معينة، كالاكتئاب والقلق والملل والشعور بالغضب أو الشعور بالحب.

2- وأهم الأسباب التي تؤدي إلى إساءة تناول الطعام هي ربط تناول الطعام مع حاجات عاطفية معينة، فمن الممكن أن يمثل تناول الطعام بشكل سيء حالة قد يلجأ لها من لا يجد الحب فيتناول الطعام بكثرة ودون مبرر أو دون الشعور بالجوع كوسيلة للتعويض عن الحب.

3- وفي حال الشعور بالقلق ففي هذه الحالة يعمل الطعام كمسكن طبيعي من خلال تفعيل وحدة الجهاز العصبي الودي للجهاز العصبي المستقل وتثبيط اليقظة.

4- أما عند الشعور بالغضب فإن تناول الطعام عن طريق القضم أو العض أو المضغ، يعطي شعوراً بالراحة وبضرورة القيام بمثل هذه التصرفات عند تناول الطعام وبشكل مبالغ فيه. وبالنسبة للشعور الكبير بالملل فيعتبر تناول الطعام ببساطة هو شيء يمكن القيام بفعله لتخفيف الشعور بالملل.

5- وإذا كان الأمر هو الاكتئاب فتأتي عادة إساءة تناول الطعام لتوفر وقتاً سعيداً مقابل المعاناة من الكآبة والملل وعدم الرضا.


تأثير المشاعر على اختيار الأطعمة:

هناك علاقة تبادلية بين مشاعر الشخص واختياره لطعامه، فكما يؤثر الطعام والشراب على المشاعر، فإنها أيضا تؤثر على انتقاء الشخص لما يتناوله من طعام أو شراب. ويعتبر الكافيين مثالاً على هذه العلاقة التبادلية، حيث يقع ضمن المواد الأكثر استخداماً على النطاق العالمي للتعديل، أو التغيير من السلوك، فمعظم الأشخاص يختارون شرب فنجان من القهوة عندما يشعرون بالتعب وكذلك الانفعال، وحقيقة فإن ما يشعر به الفرد يؤثر على اختياره لنوعية الطعام أو الشراب. ويقوم الكافيين الذي تحتويه القهوة بإعطاء البعض دفعة من الانتعاش والقدرة على التركيز أي أن ما يتناوله الشخص من طعام أو شراب يؤثر على الوظائف العقلية لديه فالكميات الكبيرة من الكافيين قد يؤدي إلى أعراض متعددة، من ضمنها العصبية والقلق والاكتئاب.


علاقة الصحة النفسية بالسمنة:

إن اختلال الصحة النفسية قد يؤدي إلى السمنة، والسمنة قد تسهم في ظهور بعض الاضطرابات النفسية، ويبقى المريض النفسي أكثر عرضة للإصابة بالسمنة، وذلك لأسباب متعددة منها ما هو وراثي، وقد وجدت نسبة من الاختلالات الجينية المشتركة التي تسهم بدورها في ظهور أمراض نفسية وزيادة في الوزن.


علاقة الأمراض النفسية وزيادة تناول الطعام:

أولًا الاكتئاب: والذي على العكس من الاكتئاب الشائع، فيحصل فيه زيادة في الشهية، وخصوصاً للأطعمة النشوية وذات السعرات الحرارية المرتفعة، ما يؤدي إلى زيادة كبيرة في الوزن، والاضطراب الوجداني ثنائي القطب والذي قد يحصل فيه فقدان للسيطرة وخلل في تقدير كمية الطعام المتناولة.

ثانيًا اضطراب النهم الغذائي: وهو اضطراب أن يتميز بنوبات من تناول كميات كبيرة من الطعام، مع شعور بفقدان التحكم ويتبعها إحساس بالندم والضيق، وهذا الاضطراب يختلف عن الاضطراب العصابي والذي يتميز بنوبات من الغذاء يتبعها القيء المتعمد أو استخدام المسهلات لمنع زيادة الوزن.

ومن الأسباب التي تساهم في جعل المريض النفسي عرضة للسمنة هي استخدام بعض الأدوية كمضادات الذهان الحديثة وأنواع من مضادات الاكتئاب، وهذا هو ما دفع بعض شركات إنتاج تلك الأدوية إلى تمويل برامج لمكافحة السمنة وتطبيق تلك البرامج في العيادات النفسية في العديد من المستشفيات. وتؤثر السمنة بدورها في الصحة النفسية، فقد أظهرت عدد من الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون السمنة أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، واضطرابات القلق، والاضطراب الوجداني ثنائي القطب، وبعض اضطرابات الذهان. ومن المثير للاهتمام أن بعض الدراسات وجدت أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة أقل عرضة لإدمان المخدرات، وهذا قد تكون من الحسنات القليلة جداً للسمنة. إن للاضطرابات النفسية دوراً في حالات السمنة، فإن للعلاج النفسي دوراً في علاجها.


الأثار المترتبة على الغذاء من الناحية النفسية:

إن الغذاء يؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية للإنسان، بحيث يلجأ الكثير إلى الطعام لعلاج اضطرابات نفسية، فبالتالي تتعود الاضطرابات النفسية بشكل كبير على أنواع معينة من الطعام، مما يجعلها تتأثر ويحدث لها العديد من المشكلات. إن تغيير النظام الغذائي يؤدي إلى إحداث تغيرات إيجابية واضحة على مجموعة من المشاكل النفسية، وتتضمن تلك المشاكل ما يلي:

1. التقلبات المزاجية.

2. نوبات الهلع.

3. القلق.

4. الاكتئاب، ومن جملته اكتئاب ما بعد الولادة.

5. الانفعالية والعدوانية.

6. مشاعر الوسواس القهري.

7. اضطرابات الطعام.

8. النوبات الذهنية.

9. الأرق.

10. اضطراب العاطفة الموسمي.

11. اضطرابات التعلم والسلوك.

12. صعوبات في التركيز والذاكرة.


النتائج:

1. هناك ارتباط بين نسبة السكر بالدم وبين مزاج الفرد وطاقته.

2. الكيمياويات الدماغية تتأثر مباشرة بالطعام الذي يتناوله الفرد وتلعب الهرمونات الدماغية دوراً مهماً في تفكير الفرد ومشاعره وسلوكياته وانفعالاته العاطفية.

3. نقص الدهون الحمضية أو الفيتامينات أو معادن معينة يؤثر سلباً على الصحة النفسية.

4. المواد المصنعة كالألوان والنكهات الاصطناعية الموجودة في بعض الأطعمة تؤدى إلى ردود أفعال غير طبيعية في بعض الحالات، والدراسات أثبتت بأن نسبة الأمراض النفسية والجسدية زادت بسبب هذه الأغذية.

5. السبب الرئيسي في السمنة وزيادة الوزن بشكل كبير هو الحالة النفسية للشخص.

6. اعتماد الكثير من الأشخاص في تحسين مزاجهم على الطعام.

7. الإصابة بالكثير من الأمراض نتيجة الاعتماد على بعض الأطعمة التي بتناولها الشخص بكثرة لتحسين النفسية.

8. إن نوعية الطعام الذي يأكله الفرد تسهم إلى حد كبير في تحديد مزاجه.

9. تناول البروتين والمواد الدهنية ليلا قد يؤدي إلى نوم مضطرب تشوبه الكوابيس.

10. قد تؤدي الحمية التي تعتمد على أطعمة قليلة الدهون إلى مشاعر اكتئابيه، فقد قامت أبحاث بالربط بين الحميات التي تمنع تناول جميع أنواع الدهون بالإصابة بأعراض اكتئابيه.


التوصيات:

1. عدم ترك وجبة الإفطار لأنها تعمل بشكل كبير على بدأ اليوم بنفسية جيدة خالية من الاضطرابات والقلق.

2. الإكثار من ممارسة الرياضة لأن الرياضة تساعد على تحسين النفسية بشكل كبير، وأيضاً تقلل من زيادة الوزن السريع.

3. عدم التعود على المكيفات والأطعمة التي تحتوي على نسبة عالية من الكافيين لتحسين المزاج، لأن بعد فترة قد لا تؤثر هذه الأطعمة على المزاج مطلقاً، نظراً لزيادة نسبة الكافيين داخل الجسم.

4. الابتعاد عن الأطعمة والسكريات التي تعمل على زيادة الوزن بشكل كبير، فبجانب تحسينها للنفسية فتؤدي إلى زيادة الوزن الذي يؤثر سلبياً على النفسية.

5. البحث عن طرق بديلة للطعام لتحسين النفسية، وهذا قد يكون عن طريق شغل وقت الفراغ ببعض الأعمال المفضلة.

6. عدم التفكير في ربط النفسية بالطعام لأنه بذلك يؤدي إلى عدم ترك الطعام نهائياً، لأن الإنسان بطبعه متقلب المزاج.

7. ضرورة تناول الأطعمة التي تعتبر علاج طبيعي للنفس والجسم والنفسية، فتناولها باستمرار يعمل على تحسين النفسية بشكل مستمر ودائم وعدم اللجوء إلى الأدوية.

8. تجنب الإفراط في الغذاء لأنه يؤدى إلى تبلد الذهن، فعند تناول وجبة كبيرة يتجه الدم من المخ إلى الجهاز الهضمي.


الخاتمة:

يرغب الكثير من الأفراد في السيطرة على أو تحسين حالتهم النفسية بأنفسهم، وإيجاد وسائل لذلك بجانب الأدوية، أو حتى بديلة عنها، لمواجهة شبح الأمراض النفسية، وأحد هذه الوسائل هو الطعام، حيث إن تناول أطعمة معينة قد يؤثر على الحالة النفسية سلبا أو إيجابا، حسب نوع الطعام. إن نوعية الطعام الذي يأكله الفرد تسهم إلى حد كبير في تحديد مزاجه، حيث وجد أن تناول البروتين والمواد الدهنية ليلا قد يؤدي إلى نوم مضطرب تشوبه الكوابيس كما أنه يوّلد مزاج معكّر في الصباح التالي، ويمكن تفسير ذلك إلى أن البروتينات والمواد الدهنية تحرم الدماغ من الاستفادة من الهرمون المسئول عن صفاء المزاج والشعور بالسعادة. وقد بدأ الناس في العصور الوسطى بالاهتمام بشكل كبير في كيفية تأثير بعض الأغذية على مزاجهم، فقد استخدمت كمثال على ذلك التمور والسفرجل كمحسنات للمزاج، وكذلك الخس والهندباء كمهدئات، واستخدم التفاح والرمان ولحم البقر والبيض كمحفزات جنسية. فالطعام له تأثير قوى جداً على حالتنا النفسية، لأنه يؤثر على كيمياء المخ التي بدورها تؤثر في سلوكنا وطريقة تفكيرنا وفى ردود أفعالنا.


المراجع:

1- أبو طيرة، منى (1989) علاقة الأعراض السيكوسوماتية بالشخصية والتنشئة الاجتماعية، رسالة دكتوراه، كلية الآداب جامعة عين شمس، القاهرة.
2- العيد، فقيه (2007) أهمية الصحة النفسية للطالب الجامعي، دراسة ميدانية لواقع الصحة النفسية لدى طلاب الجامعة" مجلة جامعة دمشق، المجلد 23، العدد الثاني، جامعة تلمسان، الجزائر.
3- زهرن، حامد (1977) الصحة النفسية والعلاج النفسي، الطبعة الثانية، عالم الكتب للنشر والتوزيع، القاهرة.


العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -