📁 قد يعجبك

الاستعمار الهولندي والبريطاني في الخليج العربي

الاستعمار الهولندي والبريطاني في الخليج العربي

تميز الخليج العربي قبل اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر، بموقعه الجغرافي ومركزه التجاري المتوسطين بين الشرق والغرب، حيث ازدهرت الملاحة العربية بين موانئ الخليج العربي وموانئ المحيط الهندي، مستفيدة من الرياح الموسمية الصيفية، حاملة البضائع الهندية والصينية وغيرها من سلع جزر الهند الشرقية وجنوب شرقي آسيا نحو موانئ الخليج العربي والبحر الأحمر والساحل الشرقي لأفريقية، ومن الرياح الموسمية الشتوية، حاملة البضائع العربية والفارسية والأفريقية وغيرها نحو الموانئ الهندية.

وقد كانت البضائع الشرقية المنقولة بالسفن والعربية عبر المحيط الهندي والخليج العربي ترد إلى البصرة ثم تتجه براً قاصدة حلب مارة ببغداد وحمص وحماة، حيث تنقلها السفن الإيطالية من حلب إلى الموانئ الأوربية ووجدت هذه البضائع وهي في طريقها إلى موانئ البحر المتوسط سوقاً رائجة في موانئ الخليج العربي. وتفوقت التجارة المنقولة عبر الخليج العربي على مثيلتها في البحر الأحمر – ذي الشعاب المرجانية والسواحل المجدبة – فبلغت ثلاثة أمثالها في معظم الأحيان، على الرغم من قصر المسافة بين السويس والإسكندرية بمقارنتها بين البصرة وحلب، وعلى الرغم من شدة الحرارة خلال فصل الصيف وتعرض القوافل التجارية لغارات القبائل البدوية.


الغزو البرتغالي للخليج العربي:

ثم وقع الغزو البرتغالي – بما عرف عنه من تعصب صارخ وتنكيل شديد – على الساحل العماني وهرمز في العقد الأول من القرن السادس عشر، وما أعقبه من منع السفن العربية من الملاحة في المياه الشرقية إلا بتصريح من السلطات البرتغالية في هرمز وجاوه التي احتكرت التجارة والثروة في الموانئ العربية الخاضعة لسيطرتها، مستغلة تشتت القوى العربية والإسلامية وانصرافها عدة قرون عند تأمين القوة البحرية الكافية لحماية واستمرار تجارتها مصدر ثروتها ورخائها، مما مكن لشبونة من احتكار التجار الشرقية خلال القرن السادس عشر والاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الأرباح. ولكن بداية القرن السابع عشر شهدة تغييرات جذرية في نطاق الصراع الأوربي على التجارة الشرقية، حيث تمكن الإنكليز والهولنديون من الوصول إلى المياه الشرقية عبر رأس الرجاء الصالح، وعندئذ أخفقت البرتغال في الاستمرار بالاحتفاظ بالسيادة البحرية التي طالما ادعتها في المحيط الهندي.

ولما زاد النفوذ الهولندي في الخليج العربي في العقد الخامس من القرن السابع عشر، أرغمت الشركة الإنكليزية على نقل وكالتها التجارية من بندر عباس إلى البصرة. وجرى صراع مرير بين الشركتين الهولندية والإنكليزية وحقق الهولنديون في البداية انتصارات عسكرية على منافسيهم الإنكليز وانفردوا بالسيطرة على التجارة الشرقية، إلى أن أرغموا على التخلي عن مركزهم التجاري المتفوق مع نهاية القرن السابع عشر بسبب الأخطار التي هددت استقلالهم في أوربا بعد اتفاق فرنسا مع إنكلترا ضدهم.


التنافس البريطاني – الهولندي في الخليج العربي:

قدم شاه إيران امتيازات كبيرة لشركة الهند الشرقية البريطانية مقابل توسيع نطاق حكمه وتوسيع حدود مملكته إلى بلوشستان في إقليم مكران وإخضاع القومية البلوشية لحكمه، كما كان قد فعل الشيء نفسه مع البرتغاليين وتعاون معهم ولم يحاول حكام إيران تحرير هرمز من الاستعمار البرتغالي وإنما تم استبدال الحكم العسكري البرتغالي بالهيمنة الاقتصادية للشركات الاحتكارية الرأسمالية البريطانية والهولندية.

فقد طلب شاه إيران المساعدة من البرتغاليين لتوسيع مملكته تجاه بلوشستان مقابل الاعتراف الإيراني بالاحتلال البرتغالي لمملكة هرمز العربية، ولكن البلوش كانوا أقوياء استطاعوا صد الهجمات الإيرانية ونجحوا في إبعادهم عن بلادهم برغم المساعدات البرتغالية، وهنا نجد شاه إيران يعيد الماضي من جديد ويعرض على البريطانيين امتيازات اقتصادية واغراء وتنازلات كثيرة مقابل إخراج البرتغاليين من جزيرة هرمز التي تحكمها أسرة عربية لضمها إلى مملكته ومد السيطرة الإيرانية إلى بلوشستان في مكران وإنشاء مدينة جديدة فيها في جمبيرون وتسميتها باسمه "بندر عباس".

لأجل تحقيق تلك الأهداف منح شاه عباس الأول شركة الهند البريطانية الامتيازات والتسهيلات التجارية في ميناء جاسك في بلوشستان بساحل مكران مقابل تحرير هرمز من البرتغاليين، كما حاول شاه إيران الاستفادة من البريطانيين لمحاربة الدولة العثمانية كما فعل مع البرتغاليين الذين استفادوا منه ولم يقدموا له سوى الوعود، وهكذا فعل البريطانيون الذين أخضعوا معظم الموانئ والمدن الإيرانية لاحتكاراتهم التجارية وأصدر شاه إيران فرمان في أغسطس 1617 منح بموجبه امتيازات واسعة لشركة الهند الشرقية.

يرجع اهتمام شركة الهند الشرقية الهولندية بالخليج العربي بعد فشلها في احتكار التجارة في الموانئ العربية بجنوب الجزيرة العربية في حضرموت واليمن وصعوبة الملاحة في البحر الأحمر للسفن المسيحية باختلاف جنسياتها بعدما حولها العثمانيون إلى بحيرة إسلامية خوفاً على الأماكن المقدسة بعد التهديد المسيحي البرتغالي.


اهتمام هولندا بالخليج العربي:

لهذا فإن الهولنديين اتجهوا إلى الخليج العربي لأن مصلحتهم كانت مرتبطة مع شركة الهند الشرقية البريطانية بمقاومة البرتغاليين وإضعاف نفوذهم ولذا فانهم قدموا للبريطانيين مساعدات عسكرية وقاموا بتسليح السفن البريطانية بموجب اتفاق عام 1619 مما كان له دوراً كبيراً في طرد البريطانيين للبرتغاليين من هرمز عام 1619 وهذا ما دفعهم لأن يتجهوا إلى الخليج العربي وبعثوا "هاربرت فينش" ممثلاً عن الشركة الهولندية إلى أصفهان حيث وجد استقبالاً حاراً وحفاوة بالغة من شاه إيران الذي كان يرحب بأية قوة مسيحية تقدم له المساعدة ضد الدولة العثمانية والعرب في الخليج وخاصة ضد العثمانيين والبحرين.

حصل الهولنديون على امتيازات كبيرة عندما منح شاه إيران فرماناً شمل امتيازات واسعة رغم معارضة كثير من المسؤولين الإيرانيين والبريطانيين، ويتكون الفرمان الإيراني من ثلاثة وعشرين بنداً يحتوي على تسهيلات تجارية لشركة الهند الشرقية الهولندية في البيع والشراء في جميع أنحاء إيران دون أن يلتزموا بشراء نوع معين من المنتوجات الإيرانية ولا يلزمهم الفرمان بدفع العوائد الجمركية نقداً، ويحق لهم استخدام أوزانهم عند البيع والشراء، وإعطاء شركة الهند الشرقية مطلق الحرية في وكالاتها التجارية ولا يجوز لأحد من الإيرانيين الذهاب إلى إحدى هذه الوكالات إلا بأذن مسبق من رئيسها، وأعطى الحق للشركة الهولندية باستخدام القوة إذا دعت الضرورة كما تعهد شاه إيران شخصياً بدفع كل الخسائر التي قد تلحق بهم نتيجة السرقة والسطو على وكالاتهم في جمبرون "بندر عباس" وسمح لهم الفرمان الإيراني بممارسة شعائرهم الدينية وإقامة الكنائس والأديرة وحيازة الأسلحة وشراء العبيد وعدم ارتباطهم بالمحاكمة المحلية. كما طلب الشاه من رعاياه تقديم كافة التسهيلات للشركة الهولندية من توفير القوافل والمأكل والمشرب إذا ما دعت الضرورة لذلك. ومما جاء في الفرمان الإيراني بأنه إذا ما اعتنق أحد الهولنديين ديانة الإسلام للشركة الحق في نفيه خارج إيران ومصادرة أمواله. ثم أعفى شركة الهند الشرقية الهولندية من الضرائب الجمركية المستحقة عليها ابتداء من عام 1623.


موافقة شاه إيران على جميع مطالب هولندا:

سلم شاه إيران لرئيس وفد شركة الهند الشرقية الهولندية رسالة إلى رئيس الحكومة وذكر فيها ترحيبه العميق بقدوم الشركة الهولندية إلى بلاده ثم أوضح فيها أن للشركة الحق في البيع والشراء في جميع أنحاء إيران بدون استثناء والسماح لهم بإنشاء وكالة تجارية في جمبرون "بندر عباس".

استهدف شاه إيران من موافقته على جميع مطالب شركة الهند الشرقية الهولندية (التي فاقت جميع التوقعات رغم معارضة رجال البلاط المقربين له) الحصول على الدعم العسكري الهولندي لأجل التوسع تجاه العراق العثماني من جهة الغرب وتجاه العرب في الجنوب وخاصة عمان، بعدما برفض ذلك البريطانيون والهولنديون ولم يستجيبوا لطموحات شاه إيران التوسعية تجاه العراق وعمان، إذ لم يكن في نيتهم الدخول في المعارك العسكرية بجانب شاه إيراه ضد أية قوة، وكان هدف الهولنديين احتكار تجارة إيران وخاصة الحرير وضرب المصالح التجارية البريطانية فيها.

ظهرت الخلافات بين حلفاء الأمس، أي الهولنديين والبريطانيين بشكل واضح منذ عام 1623 بعدما حصلت شركة الهند الشرقية الهولندية على الامتيازات الإيرانية السخية وزادت هذه الخلافات بعد إنشاء الوكالة التجارية الهولندية إلى جانب البريطانيين، وعمل الهولنديون على إساءة سمعة البريطانيين لدى الإيرانيين. واتبعوا في سبيل ذلك مختلف الوسائل الممكنة، مما أدى ذلك إلى قلة العائدات التجارية لشركة الهند الشرقية البريطانية في "بندر عباس"، وخاصة بعدما أصبح الهولنديون يدفعون أسعاراً عالية لشراء الحرير لحرمان البريطانيين الذين كانوا يرفضون شرائها بسبب ارتفاع أثمانها وقام الهولنديون بشرائها وبذلك كسبوا تجار الإيرانيين إلى جانبهم.

مرت وكالة شركة الهند الشرقية البريطانية بظروف صعبة في "أصفهان" منذ عام 1624 توقفت عن العمل، واستلمت خطاباً من الملك جيمس الأول يأمر وكيلها بإغلاقها إذا لم يستطع الحصول على امتيازات كبيرة في إيران، مما اضطر شاه إيران إلى منحهم امتيازات جديدة إلا أنها كانت مؤقته. في حين توقفت الوكالة البريطانية عن العمل في "بندر عباس" كادت أن تغلق أبوابها للخسائر التي لحقتها، وبرغم التعاون الوثيق الذي حدث بين شركتي الهند الشرقية الهولندية والبريطانية في عام 1625 لصد هجمات البرتغاليين على بندر عباس إلا أن ذلك لم يمنع الهولنديين من العودة من جديد إلى مضايقة البريطانيين وخلال فترة قصيرة أصبحت شركة الهند الشرقية الهولندية مسيطرة على الوضع التجاري وحصلوا على أرباح وفوائد أكثر من البريطانيين، وبذلك بدأ التنافس العنيف بينهما وهو مبدأ الرأسمالية التي لا ترحم.

أخذت شركة الهند الشرقية الهولندية في تحدي المراكز والوكالات التجارية الشركة الهند الشرقية البريطانية في إيران وإلحاق الأذى بهم واحتكار تجارة التوابل والبهارات والحرير ولم يبدوا أي تسامح مع البريطانيين. ولتشديد الخناق على البريطانيين امتنع الهولنديون عن دفع الضرائب الجمركية في بندر عباس بحجة أن 50% من العائدات الجمركية ستذهب إلى البريطانيين.


قلة نفوذ بريطانيا أمام هولندا في الخليج العربي:

لا ترجع خسارة البريطانيين إلى منافسة الهولنديين فقط وإنما إلى سوء تخطيطهم، ليس في السياسة التجارية في الأسواق الإيرانية فحسب، وإنما أيضاً لتعاملهم واعتمادهم على الصادرات البريطانية من المنسوجات والعملات الفضية والذهبية. ونظراً لبعد المسافة فإن الأقمشة كانت تصل وتتلف إذا ما خزنت للمواسم القادمة. وكانت تصدر في كميات أكبر من احتياجات الاستهلاك المحلي للمقايضة بالحرير إلى درجة أن الشركة البريطانية دفعت مرتبات جنودها وموظفيها في الوكالة أقمشة بريطانية بدلا ً من النقود، في حين اختلفت السياسة التجارية الهولندية التي اعتمدت على المنتوجات الشرقية نفسها أكثر من الصادرات الأوروبية والعملات النقدية في هذه الفترة قبل أن تتغير من تجارة المضاربة التقليدية إلى تصدير المنتجات الصناعية الأوروبية فيما بعد إلى أسواق الشرق، وبذلك احتفظ الهولنديون بفائض كبير من الأموال النقدية التي ساعدت على النمو والازدهار والتوسع، بينما كانت شركة الهند الشرقية البريطانية تنفق الكثير من السيولة.

بذلك استطاعت شركة الهند الشرقية الهولندية زيادة أرباحها واحتكارها التجاري في بندر عباس وقشم وأصفهان. وخلال العقد الرابع من القرن السابع عشر أحكمت الشركة الهولندية سيطرتها الاحتكارية على تجارة التوابل والبهارات في إيران، واحتكرت تصدير بضائعها، وبالتالي أخضعت تجارة الخليج العربي لقبضتها الاحتكارية، وكانت السفن الهولندية هي الأكثر في معظم موانئ الخليج العربي وخاصة في بندر عباس. هذا التفوق الهولندي وخسارة الوكالة البريطانية في إيران أدى إلى الانسحاب إلى البصرة عام 1643 وأقاموا فيها أول وكالة لشركة الهند الشرقية البريطانية.

لإحكام السيطرة التجارة على إيران أرسل الهولنديون وكيلاً جديداً عام 1644 مطالبين الشاه عباس الثاني تقديم مزيد من التنازلات والامتيازات لتجارة الحرير، وعندما رفض شاه إيران، استخدم الهولنديون القوة العسكرية عن طريق أسطولهم – مما أثار الهلع والذعر في نفوس الشاه والإيرانيين – وهاجموا جزيرة "قشم" وبعض المواقع الأخرى وطلبوا من شاه إيران دفع مبلغ 4900 تومان كتعويض عن مبالغ دفعوها ضرائب جمركية.


الاستعمار الهولندي في الخليج العربي:

انهمك الهولنديون في إضعاف البرتغاليين في المياه الأفريقية والهندية في الوقت الذي كانت فيه البرتغال تعاني من الضعف في منطقة الخليج العربي نتيجة للعمليات الحربية الفارسية والإنكليزية ضدها. وكانت مصلحة الإنكليز والهولنديين قد قضت بمقاومة البرتغاليين وإضعاف نفوذهم في الشرق، ولذلك اتفقت الشركتان الإنكليزية والهولندية في تموز 1619 وتعهدت كل منهما بمساعدة الأخرى وبتقديم عشر سفن حريبه لحماية التجارة في البحار الشرقية، ولكن ذلك الاتفاق لم يمنع الهولنديين من الاعتداء على المصالح الإنكليزية في الشرق، وعلى الرغم من ذلك توقع الإنكليز عام 1621 مساعدة الهولنديين لهم ضد البرتغاليين في الخليج العربي، ولكن المساعدة الهولندية تأخرت بضعة أعوام لأن اتصال الهولنديين بالإنكليز في الخليج العربي لم يبدأ إلا بعد سقوط هرمز في عام 1622 في يد القوات - الفارسية – الإنكليزية المشتركة.

وبعد التفاهم بين الهولنديين والإنكليز والترحيب الفارسي بالهولنديين باعتبارهم حليفاً مشتركاً ضد البرتغاليين وقع الاشتباك الأول بين الإنكليز والهولنديين من جهة والبرتغاليين من جهة أخرى في عام 1625 لمنع البرتغاليين من استعادة هرمز، ومن ثم استخدم الهولنديون ميناء جمبرون كمركز تجاري بوصفهم حلفاء للإنكليز وخلال فترة قصيرة أصبحت التجارة الهولندية أكثر ازدهاراً من التجارة الإنكليزية وحصل الهولنديون على أرباح وفوائد أكثر من الإنكليز. وهكذا بدأ التنافس العنيف بين الإنكليز والهولنديين في الخليج العربي.

ثم أخذ النفود الهولندي يتغلغل في فارس بعد أن منح الشاه عباس الأول الشركة الهولندية فرماناً بإقامة وكالة تجارية لها في جمبرون. ومن جمبرون أخذ الهولنديون في تحدي المركز التجاري للإنكليز في فارس وسعوا بكل الوسائل لإلحاق الأذى بالإنكليز ولاحتكار تجارة التوابل بين جزر الهند الشرقية وفارس. ونادراً ما أبدوا تسامحاً مع الإنكليز في الخليج العربي والمحيط الهندي. ثم قامت البعثات الهولندية بزيارات كثيرة لأصفهان حيث منحها الشاه عباس الأول حق شراء الحرير الفارسي من أي مكان في فارس حرصاً منه على إيجاد منافسة بين الراغبين في شراء الحرير الفارسي ليحقق أرباحاً أكثر. وبذلك أصبحت الشركة الهولندية منافسة تجارية قوية للشركة الإنكليزية في منطقة الخليج العربي وفارس. وقد حقق الهولنديون منذ بداية اتصالهم بالخليج العربي فوائد تجارية مهمة بسبب الكميات الكبيرة من القرنفل وجوز الطيب، والتي تم بيعها في عام 1623 بأرباح عالية. كذلك أحضر الهولنديون معهم الذهب وهو العملة المفضلة لدى الفرس في التعامل التجاري لشراء البضائع الفارسية. أما الإنكليز فقد استفادوا من نقل بضائع التجار الفرس والأرمن والهنود في سفنهم.

وقد أثار النجاح الهولندي التجاري في فارس ارتباك الإنكليز وحيرتهم في عام 1624 خوفاً من تفوق النفوذ الهولندي في بلاط الشاه عباس لا سيما إذا ما رفضت الشركة الإنكليزية تقديم المساعدة العسكرية لتنفيذ خطط الشاه الحربية ضد البرتغاليين في مسقط، مما يؤثر على سمعة الإنكليز وعلى الفائدة التي يحصلون عليها من التجارة الفارسية في الوقت الذي يعرض فيه الهولنديون مساعدتهم العسكرية على الشاه، ويبدون استعدادهم للمشاركة بأسطولهم والتعاون مع الفرس والإنكليز ضد البرتغاليين ولا سيما بعد محاولات البرتغاليين عرقلة التجارة الهولندية في الخليج العربي.

ولكن عندما تجدد القتال بين الإنكليز والبرتغاليين في عام 1626 في مياه الخليج العربي تملص الهولنديون من الاشتراك في المعركة حفاظاً على مصالحهم التجارية بينما لحقت بالإنكليز خسائر جسيمة. وكثيراً ما تردد الهولنديون في التحالف مع الإنكليز ضد البرتغاليين كما حدث في عام 1628. وكانوا يبررون موقفهم بضرورة استشارة مركزهم في باتافيا (جاكرتا) قبل القيام بأي إجراء عسكري. ولذلك كان الإنكليز في شك من رغبة الهولنديين واستعدادهم للدفاع عن السفن الإنكليزية في الخليج العربي.

ولما كان الشاه عباس الأول يأمل في مساعدة الهولنديين له ليتمكن من طرد البرتغاليين من مسقط فقد كان على استعداد في عام 1624 لعقد اتفاق مع الشركة الهولندية ينص على السماح للهولنديين بإقامة الكنائس، ويكفل لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية. كما أرسل الشاه عباس وفداً فارسياً إلى هولندا لحثها على قطع علاقاتها التجارية مع الدولة العثمانية وللحصول على مساعدتها في طرد القوات البرتغالية من مسقط، ولكن لم يتحقق شيء من أهداف الشاه عباس. وعلى الرغم من ذلك حرص الهولنديون على توثيق علاقاتهم مع الشاه فقدموا له هدية بلغت قيمتها حوالي 50 توماناً بينما لم يبعث الإنكليز هدية للشاه بعد الاستيلاء على هرمز والتي استفاد الهولنديون منها حيث كانت سفنهم تبحر بسلام بحماية قلعة هرمز التي عمل الفرس على تقويتها إلى جانب تحصينهم قلعة قشم وتوسيعها وإقامة قلعة قوية لهم في جمبرون. وأقاموا فيها جميعها حاميات فارسية قوية.


الصدام المباشر بين بريطانيا والبرتغال:

وقد بدأ الاحتكاك المباشر بين الإنكليز والهولنديين عندما رفض الأخيرون دفع الجمارك في بندر عباس على الرغم من احتجاج الشركة الإنكليزية، حيث تقاضي الإنكليز نصف عائدات الرسوم الجمركية بموجب الاتفاق الذي عقدوه مع الشاه عباس الأول قبيل الاستيلاء على هرمز في عام 1622. وكان لدى الإنكليز بعض الشكوك في وجود مؤامرة هولندية – فارسية لتحصل الشركة الهولندية على جزيرة هرمز بعد أن حاول الهولنديون في نيسان 1625 إقناع الشاه عباس بإعطائهم هرمز ليتخذوا منها قاعدة للدفاع عن الخليج العربي في وجه القوى المعادية لفارس.

وعندما توفى الشاه عباس في عام 1628 جدد خلفه الشاه صفي الامتيازات للشركة الإنكليزية، ولكن الهولنديين حصلوا أيضاً على امتيازات مماثلة حيث منحهم الشاه صفي الحرية في الحصول على كل ما يريدونه من السلع الفارسية. وبذلك احتل الهولنديون المركز الأول في التجارة الفارسية، وكان نفوذ الإنكليز التجاري في الخليج العربي آخذاً في الضعف منذ عام 1627 وبدأ النفوذ الهولندي يحل مكانه تدريجياً في الموانئ الفارسية. ولذلك لم تحصل الشركة الإنكليزية على الرغم من كل الجهود التي بذلتها في عام 1630 على أكثر من 20% مما حصلت عليه الشركة الهولندية من التجارية الفارسية. فقد عززت الشركة الهولندية مركزها لدى السلطات الفارسية بتقديمها المساعدة العسكرية لها لتشتيت الأسطول البرتغالي الذي قام بمحاولة يائسة لاسترداد هرمز.

ومنذ عام 1630 تعرض الخليج العربي إلى زيادة التغلغل الهولندي بواسطة الوكالات التجارية الهولندية في جمبرون "بندر عباس" وقشم واصفهان. وتعاون الهولنديون مع الإنكليز لبعض الوقت ضد الشاه صفي الذي هدد بإنهاء امتيازات تجارة الحرير الفارسي الممنوحة للإنكليز والهولنديين. ولكن الشركة الهولندية عادت فوثقت علاقتها مع خان شيراز الذي جهز حملة للاستيلاء على مسقط في عام 1632 بعد أن وعدته بتقديم مساعدة عسكرية هولندية مماثلة لتلك التي قدمتها الشركة الإنكليزية للشاه عباس الأول للاستيلاء على جزيرة هرمز في عام 1622. وقد استفادت الشركة الهولندية من وعدها فقامت في عام 1633 بنقل كميات كبيرة من البضائع من فارس وإليها كما حصلت على حقها في الإعفاء الجمركي وقدرت قيمة البضائع السنوية التي نقلتها منذ عام 1625 وحتى عام 1633 بمبلغ يتراوح بين 30.000 – 40.000 تومان سنوياً.

ولذلك حمل الوكلاء الإنكليز في جمبرون "بندر عباس" الشركة الإنكليزية مسئولية إهمالها للفوائد التجارية التي يمكنها الحصول عليها من التجارة الفارسية حيث تركتها للشركة الهولندية التي بلغت نسبة أرباحها من تلك التجارة 300% - 400%. ولكما ازدادت المصالح الهولندية في فارس ازداد حرص الشركة الهولندية على إقامة علاقة وثيقة مع السلطات الفارسية. فإذا لم يتمكن وكلاء الشركة من زيادة بلاط الشاه في أصفهان لتقديم الهدايا إليه كانت الشركة تكلف ترجمانها بتقديم مبالغ نقدية إلى الشاه وكبار رجال حاشيته. وكانت كمية البضائع الفارسية التي تحصل الشركة الهولندية عليها تعتمد على قيمة المبالغ والهدايا التي تقدمها للسلطات الفارسية.


النجاح الهولندي في الخليج العربي:

وخلال العقد الرابع من القرن السابع عشر أحكمت الشركة الهولندية قبضتها على تجارة التوابل والبهارات في فارس ومنطقة الخليج العربي، كما احتكرت تصدير البضائع الفارسية، وأصبحت بذلك تجارة الخليج العربي تحت السيطرة الهولندية، فقد كانت أكثرية السفن والبضائع في جمبرون بندر عباس للشركة الهولندية مما أدى إلى تفوق الهولنديين على منافسيهم الإنكليز وإرغامهم على التوجه إلى البصرة في عام 1643 لإقامة أول وكالة تجارية لهم فيها على الرغم من مماطلة وكلاء الشركة الإنكليزية في فارس في تنفيذ التعليمات التي صدرت من رئاسة الشركة الإنكليزية بإغلاق وكالتها في أصفهان وبنقل ممتلكاتها من ميناء جمبرون "بندر عباس" إلى البصرة ضماناً لسلامتها في حزيران 1645.

كما شهد منتصف القرن السابع عشر انتقال السيادة في المياه الشرقية من البرتغال إلى هولندا التي تمت السيطرة، لها على الأسواق التجارية في فارس والخليج، ولم يبق للتجارة الإنكليزية تأثير فعال في تلك الأسواق. وربما يعزي ذك إلى الاعتقاد الذي ساد أوساط التجار بحل الشركة الإنكليزية. وبذلك بلغ النفوذ الهولندي أوجه، وحصل الهولنديون على امتيازات أخرى من السلطات الفارسية في عام 1649 والتي أصبحت ترهب قوتهم، واستغلوا ذك لإرغامهم على الخضوع لمطالبهم ولا سيما بعد أن تعزز موقفهم في الخليج العربي بعد نجاح العرب في عمان في طرد البرتغاليين من مسقط في عمان 1650 حيث خلا الخليج من القوى الأوربية المنافسة للهولنديين فوصل أسطول هولندي من عشر سفن إلى ميناء جمبرون "بندر عباس" وأفرغ فيها كمية كبيرة من البضائع الشرقية. فقد بلغت كمية الفلفل التي باعتها الشركة الهولندية إلى التجار الفرس في جمبرون 1.5 مليون رطل إنكليزي دفعت من ثمنها ما سدد ثمن كل كميات الحرير الفارسي التي ابتاعتها من فارس.


الخاتمة:

إن المبتدئ في الشأن السياسي لا يغفل ما تعرض له الوطن العربي من غزوات استعمارية على مر العصور وحتى هذه الأيام. فالوطن العربي يتوسط الطرق البرية والبحرية بين شعوب العالم القديم، ويشكل مفصلا حيوياً للتجارة الدولية الوافدة من كل أرجاء الأرض. وقد تعرض الوطن العربي إلى العديد من الغزوات والعمليات الاستعمارية ولا يزال حتى الآن لأنه لم يتغير شيء في الخارطة الجغرافية، أو الاقتصادية بالرغم من حصول الكثير من المتغيرات في الأوضاع الجغرافية وخاصة على إثر نشوب الحربين العالميتين في أوائل وأواسط القرن الماضي.


المراجع:

1. محمد رشيد الفيل: مشكلات الحدود بين إمارات الخليج العربي. (مجله دراسات الخليج والجزيرة العربية. العدد الثامن – تشرين الأول 1976).
2. بانيكار، ك.م: أسيا والسيطرة الغربية، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد (القاهرة، 1962) ص 79 – 80
3. دراسات في تاريخ الخليج العربي الحديث، تأليف د. عبد العزيز عوض، الناشر دار الجيل، الطبعة الأولي، بيروت
4. علاء موسي كاظم نورس: الصراع لعثماني – الفارسي وأثره في لعراق حتى أواخر القرن الثامن عشر. (الفصل الثاني في كتاب الحدود الشرقية للوطن، العربي دراسة تاريخية) بغداد 1981.
5. عماد أحمد الجواهري: الدور التاريخي للبصرة علسي الخليج العربي 1500-1600 (مجله دراسات الخليج والجزيرة العربية. العدد الثالث عشر. كانون الثاني 1978).
6. عماد أحمد الجواهري: الدور التاريخي للبصرة علسي الخليج العربي 1500-1600، مرجع سابق.


الاستعمار الهولندي والبريطاني في الخليج العربي