اقرأ أيضًا

تعريف وعناصر كتابة القصة القصيرة

كيف تكتب قصة قصيرة ناجحة

يتناول هذا البحث موضوع "فن القصة" حيث أن فن القصة العربية يرتبط بفترة الازدهار الحضاري العربي، فهو من أهم الموضوعات التي نالت اهتمام الأدباء والمؤلفين العظماء في تاريخ العرب، ولعل مقامات الهمذاني والحريري ومشاكلها من هذا اللون من فنون الكتابة هي أول التجارب في كتابة القصة القصيرة في تاريخ الأدب العربي. بينما فن القصة القصيرة الذي تطور بعد ذلك عدة تطورات بشكل سريع ومتلاحق يظل فن حضري مرتبط بالعمران والمدنية، فالقصة هي فن يجمع من كل الفنون، حيث أنها أخذت من القصيدة البناء والتماسك وأخذت من الرواية الحدث والشخوص وأخذا من المسرح الحوار والدقة اللغوية، وأخذت أيضا من المقال منطقية السرد ودقة المعاني، فالقصة تأخذ من كل فن أدق وأجمل ما فيه لكي تقدم فن ممتع وراقي، وضعها ذلك في مصاف فنون الكتابة التي تمكنت من الازدهار في القرن الأخير. لذلك ذهب العديد من النقاد أن القصة القصيرة من المحيط للخليج هي خير تعبير عن العصر، لأنها حالة فنية التي تعيد صياغة الواقع بشكل مركز ومكثف بما يشمل الإبداع والخيال الذي يجعلها تستطيع أن ترقى بذوق القارئ ووجدانه، كما أن القصة تحمل من الواقع ما يجعل القراء يشعرون بتفاصيل حياتهم، ولما لفن القصة القصيرة من مميزات ورقي فسوف أتناول هذا الفن الراقي في بحثي هذا من خلال أهم العناصر الرئيسية المتعلقة بهذا الموضوع، الذي أود أن يحوذ اعجابكم.


تعريف القصة في اللغة:

القص في اللغة العربية يعني قص الأثر أي تتبع مساره ورصد حركة أصحابه، والتقاط بعض أخبارهم، ويعني أيضا الإخبار والرواية، فان القصة تتبع لآثار شخص أو أشخاص وتلمس أخبارهم ورواية ذلك أو قصه، ويقال أيضا: "استقص" أي طلب منه أن يقص عليه قصة.


تعريف القصة الفنية:

توصل العلماء الى تعريفات محددة للقصة القصيرة، إلا أن الفنون بما فيها الأدب لا زالت تأبى على التعريف الدقيق الذي يطبق عليه بشكل تام والذي يمكن أن يمنع ما يختلف عنها، ولكن بالرغم من اختلاف الكتاب والنقاد في تعريف القصة القصيرة الحديثة، إلا أنهم اتفقوا على الأسس العامة وهي أن القصة القصيرة هي فن أدبي نثري يتناول بالسرد حدث وقع أو يمكن أن يقع بالفعل، وهذا التعريف قد ابدعه الآلاف من الكتاب في كل زمان ومكان، منذ التجارب الرائدة التي كانت على أيدي القدماء المصريين، حيث أنهم أول من كتبوا القصة القصيرة قبل أربعة آلاف عام، والتي لم يتعرف العالم عليها إلا بعد فك رموز حجر رشيد الذي اكتشفه شامبليون واستطاع فك ألغاز اللغة الهيروغليفية.

وأي كان الأمر فقد توالى ظهور القص في عدة صور مختلفة إبان ازدهار الحضارة العربية والإسلامية من خلال مقامات الهمذاني والحرير ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري، ورسالة التوابع والزوابع لأبن شهيد الأندلسي، إلى ألف ليلة وليلة التي تتكون من مجموعة من القصص القصيرة المتداخلة المتصلة. فمع ظهور القصة القصيرة الحديثة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر اجتهد الأدباء في محاولة صياغة تعريف محدد للقصة بداية من الكاتب الأمريكي إدحار ألان بو، الى الكثير من الكتاب الغربيون الذين اختلفوا لحد ما في تعريفاتهم للقصة. خلاصة الأمر أن التعريف شبه المحدد الذي نتصوره لفن القصة القصيرة والذي لا يمنع طموحها في المستقبل نحو التجريب هو أنها: "نص أدبي نثري يصور موقف أو شعور انساني تصوير مكثف له أثر أو مغزى".


خصائص وسمات القصة القصيرة جدا:

أولاً: الوحدة

تعتبر الوحدة أهم خصائص القصة القصيرة التي تميزها على الإطلاق عن باقي الأجناس الأدبية مثل الرواية والمسرحية والشعر. وقد اهتدى اليها الكتاب مبكرين، ولا تزال حتى الأن وربما في المستقبل مبدأ جوهريا من مبادئ الصياغة الغنية للقصة القصيرة، فإن الوحدة تبدأ منذ بزوغ الفكرة في خاطر الكاتب حتى الانتهاء من كتابة قصته، حيث أنها تمثل قالب ومنهج للتفكير في ملامح القصة وبنائها.

ومبدأ الوحدة يعني الواحدية أي أن كل شيء فيها يكون واحداً، فهي تشتمل على فكرة واحدة وتتضمن حدث واحد، وشخصية رئيسية واحدة كما أن لها هدف واحد وتخلص إلى نهاية منطقية واحدة وفي الأغلب تستخدم تقنية واحدة، وأيضا فهي تضع لدى القارئ اثر أو انطباع واحد، كما يكتبها الكاتب على الورق مرة واحدة ويقرأها القارئ في جلسة واحدو. وذلك يعني أن الكاتب عليه أن يوجه ابداعه تجاه هدف واحد ولا يتطرق لأي فكرة تغاير فكرته ولا يسمح بذلك سواء بوعي أو بدون وعي منه.


ثانياً: التكثيف

بما أن الوسيلة والهدف واحد فلابد من التوجه اليهم ن أول كلمة في القصة القصيرة، والتكثيف الشديد أمر مطلوب من أجل تحقيق أعلى درجة من النجاح للقصة القصيرة.

إن عملية التكثيف تشبه حبة الدواء التي صنعها العلماء من مواد طبيعية وصناعية وقاموا بصب جميع ما يمكنهم فيها لتكون قوة ضاربة لكي تسقط على الميكروب فتدفع خارج الجسم أو تضربه ضربة قوية تمهيدا لقتله، انها مواد كثيرة لكن الحرفية الصناعية كثفتها وركزتها في هذا الحجم الصغير، والقصة القصيرة كذلك.


ثالثاً: الدراما

المقصود بالدراما في القصة القصيرة هو خلق نوع من الاحساس بالحيوية والديناميكية والحرارة، حتى لم يكن هناك صراع خارجي، ولم تكن هناك غير شخصية واحدة.

فإن القصة لابد ان تثير القارئ من أول كلمة وتثير شهوته للاستطلاع ومعرفة ما يحدث بها، وأن يترقب ويتلهف لمطالعة السطور التالية على أمل أن يكتشف جديد هذا العالم القصصي، فان استخدام اساليب التشويق في القصة القصيرة هي التي تحقق المتعة الفنية للقارئ وتشعر الكاتب بالرضا النسبي عن قصته، والمقصود بالتشويق هو الأسلوب الفني الذي يصهر كل عناصر القصة في نسق جمالي مبهر.


عناصر كتابة القصة القصيرة:

إن كل عمل يتكون من مجموعة من العناصر أو الأجزاء، التي تعمل على تضافره وانسجامه وتشكيله بأفضل صورة حسب موهبة وخبرة صاحب هذا العمل، ولأن القصة هي أقرب الصور الأدبية للرواية فإن من الملاحظ أن عناصر القصة القصيرة الأساسية هي تقريبا عناصر الرواية، وهذه العناصر المشتركة تتمثل في الأتي:


أولًا: الرؤية

ويعد هذا العنصر الوحيد الغير مرئي أو الملموس غي الفن القصصي حيث لا يمكن العثور عليه محدد والاشارة اليه، لأن الرؤية تكمن وراء العمل الفني وتدفع الكاتب اليه وتمثل نقطة ضوء بسيطة تشع على الحياة والكون والانسان وتنير الطريق أمامه، فإن الرؤية هي جوهر العمل ونواته الفكرية التي قد تصدر احيانا عن الفنان دون وعي منه من فرط خبراته، وعمق نظراته وحرارة احساسه وشفافيته، فلابد أن تكون هناك رؤية لدى الكاتب.


ثانيًا: الموضوع

موضوع القصة القصيرة هو الحدث أو الحدوتة الشعورية التي تتجسد من خلالها الرؤية، وهو يشبه بلغة المناطقة في مقال الرؤية بوصفها المفهوم، وإذا كانت الرؤية هي الصورة في نظر أرسطو، فإن الموضوع هو المادة القصصية التي بدونها لا يكون هناك قص، وإذا كان هناك نص بدون موضوع، أي موضوع فهو ليس أكثر من براعة لغوية، فإن الموضوع حدث يتم في مكان وزمان محددين وتنشأ عنه علاقات انسانية مختلفة، ويمكن أن يكون مشكلة عاطفية أو رغبة في الانتقام أو سعي للخلاص من مأزق ما وما الى ذلك، فالموضوع هو مادة القصة القصيرة، سواء حدث أو موقف أو حالة أو لحظة شعورية وما الى ذلك، وهو من أهم عناصر القصة لأنه يعتبر الهيكل العظمي للقصة.


ثالثًا: اللغة

اللغة في القصة لا تنهض فقط بعبء التعبير والتصوير، بينما لها دور بالغ ودقيق في اضفاء الحرارة والحيوية على القصة، كما أنها تلقي بظلالها وتأثيرها على باقي العناصر الأخرى، فإن البناء أساسه لغوي والتصوير المكثف للشخصية والحدث يستند على اللغة والدرامية في القصة القصيرة تولدها اللغة الموحية والمرهفة، بالإضافة الى قدرة اللغة على صياغة الأساليب الفنية وتشكيلها، من حوار وسرد ومونولوج داخلي و غيره.

وعلى ذلك فإن هناك سمات ضرورية للغة الفنية يجب أن تتوفر في لغة القاص الحريص على فنه وموهبته ونظرة الأجيال القارئة لإبداعه، وهذه السمات هي:

- السلامة اللغوية - الدقة

- الاقتصاد والتكثيف - الشاعرية


رابعًا: الشخصية

هناك علاقة عضوية وطيدة بين الحدث والشخصية، وليست الشخصية دائماً هي الإنسان ، وإن كان الحدث يتم عادة على أيدي الناس، ونادراً ما يتسبب فيه غيرهم، كالزلازل والعواصف، فالمقصود بالشخصية ليس فقط البشر بينما يتعداه ليشمل كافة ما يؤدي بالفعل أو يمارس تأثير أو يتمته بحضور قوي تتجاوز أصداؤه حدود حجمه، فإن المكان يمكن أن يكون شخصية او بطلاً في احدى القصص، وأيضا الطير والحيوان والجبل والكابوس والشمس والقمر والنار وغيرها من الموجودات التي صورها الله سبحانه وتعالى وابدع صورها، فإن الشخصية هي محرك الحدث أيا كانت طبيعته.


خامسًا: البناء

لقد دأب كتاب القصة القصيرة في العالم العربي وحتى الخمسينيات تقريباً على إقامة بناء قصصي تقليدي، له بداية ووسط ونهاية، ويرتبط كل جزء فيه بالآخر ارتباط عضوي منطقي وزمنيا ودرامياً، فإن كل عملية بنائية في الحياة تمر في الأغلب بعدة مراحل وتقل في العادي عن ثلاث حيث لابد أن تكون هناك بادية ما وبالطبع لابد أن تكون نهاية وتصل ما بينهما مرحلة وسطى تطول أو تقصر حسب طبيعة المشروع البنائي للقصة، والمقصود بالبناء هو الشكل أو المعمار الفني الذي يميز هندسة عن أخرى وهو الصورة العامة للتشكيل الجمالي.


سادسًا: الأسلوب الفني

هو التقنية الفنية أو الطريقة التي يتم بها تصوير الحدث أو الحالة، ويحتاج الكاتب الى تشكيل هذه الصياغة الفنية إلى وسائل عديدة ينفذ بها إلى عالم الشخصية والموقف، ويتعين أن تتعاون هذه الوسائل في التصوير والتعبير. إن الأسلوب هو طريقة المعالجة، ووسيلة التناول، وفيه يكمن سر عبقرية القصة القصيرة وبراعة الكاتب وحساسيته وموهبته وثروته اللغوية وثقافته وسيطرته على أدواته، فإن الكاتب عليه تحديد الزاوية التي يكتب من خلالها ، وتحديد استخدام الوسائل الفنية التي تبدو وهي مجتمعة منظومة أسلوبية وطريقة فنية لصياغة العمل القصصي كله، ومن ثم يمكن القول أنها نسيج القصة.

والقصة القصيرة تتعدد الأساليب الفنية بها بين السرد والحوار واستخدام تقنيات أخرى بينما لا تملك المساحة التي تسمح للكاتب باستخدام كافة الأساليب، ولكنها تتيح الفرصة في الأغلب لأساليب شهيرة وهي السر والحوار الخارجي مع الآخر أو المونولوج ، وقد يضاف اليها الفلاش باك، والكاتب البارع هو ال1ي يستطيع توظيف وسائله الفنية في خدمة النسق القصصي.


الخاتمة:

في ختام بحثي هذا أود التأكيد على أهمية فن القصة القصيرة، لما له من أهمية بالغة في الأدب العربي، ولابد على القارئ المهتم بفن القصة أن يقرأ الأعمال الجيدة لكبار الكتاب قراءة الناقد المتربص المفتش عن عناصر القص وكيف تحولت على أيديهم لهذه البلورات الابداعية، والتعرف على سر جمال ابداعهم ومجالات وأسباب تميزهم، ولا أنسى أن اؤكد على أهمية تقوية اللغة وتحسين مستوى الأداء في اللغة العربية والسيطرة على نحوها ودراسة بلاغتها وتكوين ثروة من الألفاظ والمعاني ودراسة القواعد التي يمكن أن توفرها الكتب الخاصة باللغة، حيث أن فن القصة القصيرة يعتمد في الأساس على اللغة السليمة، وفي ختام بحثي أود أن أكون قد وفقت في تناول هذا الموضوع.


تعريف وعناصر كتابة القصة القصيرة
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -