اقرأ أيضًا

تحليل وتقديم مادي لقصة "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم

تحليل وتقديم قصة عصفور من الشرق للكاتب المصري توفيق الحكيم

إن قصة عصفور من الشرق التي كتبها الكاتب والمفكر المصري توفيق الحكيم من أبرز رواياته حيث تدور أحداث الرواية في مدينة باريس عاصمة فرنسا لتعبر عن المادية الغربية، الاختلاف الثقافي، وربما الصراع الحضاري بين الشرق والغرب. وقد تم ترجمة العمل للغة الفرنسية وحاز إعجاب عالمي كبير، وتحاول الرواية في مضمونها تجسيد الصراع بين الشرق والغرب عبر بطلها (محسن) القادم من الشرق لباريس حاملاً معه عشقه للفن والموسيقي والقراءة من خلال عالمه الخاص الذي يحلّق فيه هائماً بين الواقع والخيال. ولعل أبرز ما يمثل اتجاه الكاتب إلى تمثيل مجموعة اجتماعية معينة داخل النص هو إبرازه لطرح طبقي مادي لمجموعة اجتماعية بعينها هي تلك الطبقة المتأثرة بالنمط المادي الرأسمالي حيث استطاع عبر السياق الدرامي الذي شكلته الرواية وأحداثها توصيل وجهة نظره عن النمط الخاص بالإنتاج الرأسمالي بشكل واضح حيث كان طرحه هذا متضمناً أبعاد عديدة من خلال محسن الذي يسافر لفرنسا لتحضير دكتوراة في القانون فيقع في حب الفرنسية سوزي.


تحليل فكرة وعي الشخص المثقف:

وكان توفيق الحكيم بما يملكه من وعي وثقافة وحكمة شديدة يحاول من خلال كتاباته وتحديداً في قصة عصفور من الشرق التي تعتبر من أدب الرحلات أن يطرح ما يدور في وعي الشخص المثقف وما يعانيه من هموم في المجتمع الرأسمالي المادي والتي كانت من أبرز الأسباب التي تعيق وتحد من قدراته الساعية للحصول على المعرفة. كتبت الرواية قبل الحرب العالمية الثانية بفترة قصيرة وحينها كانت فرنسا تعاني أوضاع سيئة عديدة متمثلة في تدني سعر العملة، تفشي البطالة، الفقر المدقع، كدح الأسر، استعباد الأفراد للعمل في المصانع، إذلال الفرنسيين بشكل عام وهجمة السائح الأمريكي وسخريته من تلك الأوضاع. وقد جاء على لسان البطل ما يلي:

 

 

تحليل فكرة الأرق الجسدي الناتج عن الوعي الثقافي:

"إن ثمرات الفن هي أيضا حق، ووقف على طبقة الأغنياء، وأن الطريق إلى الاستمتاع الروحي ينبغي أيضا أن يفرش بالذهب" ويوضح ذلك أن فكرة الأرق الجسدي الناتج عن الوعي الثقافي التي يعاني منها البطل هي مشكلة تؤرق المثقف أينما وجد سواء كان في الشرق أو في الغرب لذلك فالكاتب حتى وإن بدى محاولاً طرح وجهة النظر الشرقية فهي لا تبتعد عن الغربية لأن الواقع المادي البائس متشابه وبعيد عن تلك المدينة الفاضلة التي رسمها الأدباء في خيالهم وظلت خيال ليس يمت للواقع بصلة.

 

 

تحليل فكرة التركيز على طبقة الصفوة:

إن الكاتب في الرواية ركز على تلك الطبقة التي يطلق عليها طبقة الصفوة وهمّش تماماً الطبقات المعدمة والفقيرة حيث كان هدف القصة كشف فكر ووعي الطبقة المثقفة خاصة بكشف فكرها السياسي حينها الذي كان يميل إلى الماركسية التي كانت سمة العصر آنذاك وإحدى أشكال العبودية وخاصة أن توفيق الحكيم تبنى الفكر الماركسي فيما يخص تطور المجتمعات بما جعل فكره دائم التأكيد على ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة المادية بين الأفراد.

 

 

تحليل فكرة صراع الفرد مع الحياة:

لقد حاولت القصة في مجملها أن تستعرض صراع الفرد مع الحياة وتحليلها وتفكيكها في ظل محدودية المادة حيث لم يعد له وجود فعلي لأن واقع الاستغلال لجهد الأفراد لصالح النظم الرأسمالية جعل هؤلاء المستغلين يفقدون المجتمع أبرز وأهم مكون اجتماعي له هو الأسرة خاصة أن صورة المجتمع وطبيعته كانت من أبرز الاسباب التي تقضي بالقطيعة. فعلى سبيل المثال، كانت سوزي تعمل في سباك تذاكر بسبب البطالة والفقر والحالة الاقتصادية السيئة لفرنسا في ذلك الوقت في ظل كفاح الأسر للبحث عن المادة ولقمة العيش الذي فرضته الظروف. جعل هذا الأمر الأغنياء يزيدون غنا والفقراء يزيدون فقرا وجعل روابط الأسر تتمزق وراء البحث عن حياة مادية. 

 

 

تحليل فكرة التأثير السلبي للرأسمالية:

وتحاول القصة في مضمونها الكشف عن الكثير من منغصات الحياة على هذا الفرد المثقف من خلال التأثير السلبي للرأسمالية المادية في المجتمع، ويرى الكاتب أن جوانب الحياة العصرية في أوروبا كلها من سكك حديدية وطائرات وخلافه من تلك الوسائل التي وفرت الوقت ومنحت الحياة سرعة لكنها كانت فرصة ليستفيد منها قد مجموعة من النهمين اللذين استغلوا المجتمع وثرواته المادية فيما لا يمكن أن يصب في مصلحة الفرد العادي، فالمجتمع أصبح منقسم ما بين قسمين: أولهما ذاق الرفاهية والتمدن والآخر ذاق وبال الفقر والحرمان في هذا الواقع المتطور حيث طبيعة العمل الإنتاجي الرأسمالي الذي لم يترك أية فرصة لحدوث ترابط بين المنتج والمستهلك.

 

 

تحليل فكرة الانبهار بالحضارة الغربية:

و لذلك فإن ما تجسده القصة من انبهار بالحضارة المادية الغربية يتضح تماماً في السرد الخاص بالقصة من خلال ما يربطه بمأساة البطل عبر التقاء الشرق والغرب خاصة في قصة عشقه للحسناء الباريسية سوزي وهو الشرقي الذي أقل ما يضحي به من أجل محبوبته أن يضحي بروحه من أجلها، وتحاول الرواية في مضمونها عرض الفلسفة الخاصة بالرواية التي استخلصها بطلها محسن هو أن الغرب بتحضره وإنجازاته العلمية حضارة بلا روح لا يمكن أن تتصدر الصورة من دون الإشارة للشرق الذي قدم للفكر والوعي والحضارة الكثير خاصة بمعيشته في الغرب الذي تأكد أنه بلا روح.

 

 

تحليل فكرة التناقض بين الشرق والغرب:

ولا ينبغي أن نغفل الجانب الرومانسي لقصة محسن وحبيبته سوزي الفرنسية بما تعكسه القصة من تناقضات الأفكار والتقاليد بين الشرق والغرب والصراع النفسي الذي يعيشه البطل ما بين العقل والقلب والحداثة والأصالة والعلم والإيمان والماديات والروحانيات وكلها ثنائيات متناقضة ومتضادة فبينما يأتي محسن من خلفية الشرق الروحانية المفتقرة للماديات تأتي حبيبته من خلفية الغرب المادية والتي تقدس العلم وتغفل الروحانيات، كما كان مردود العلاقة في كون الغدر نابع من سوزي كناية عن الغرب ضد محسن كناية عن الشرق هو تجسيد للصراع الفعلي بين الغرب والشرق ما بين تقديس الغرب لرعايته مصالحه الذاتية على حساب أمة الشرق التي تدفع ثمن ذلك باهظاً. على الجانب الأخر فإن نظرة محسن للحب تختلف عن نظرة أي رجل باريسي، حيث أن محسن يرى حبيبته سوزي ملكة تعيش بروح وجسد وكيان أي أن حبه أفلاطوني بعض الشيء، أما الغربيون فيرون أنها عاملة شباك تذاكر جميلة بعض الشيء يمكن جذبها بزجاجة عطر أو وردة وتمثل ذلك في سخرية أندرية الفرنسي من حب محسن.

 

 

تحليل فكرة انتماء البطل للطبقة المتوسطة:

ولعل أبرز ما يميز الجانب الاجتماعي للرواية هو ظهور البطل في صورة متوسطة الحال فلا يمكن وصفه بأنه من الأغنياء ولا أنه من المعدمين ومحاولاته التشبه بالطبقات الأرستقراطية التي تحضر حفلات الأوبرا من فرط حبه للفن والموسيقى، ولعل الميزة الأكبر في القصة هو التصوير الحقيقي للصراع بين الشرق والغرب الذي يؤكد على أن الشرق هم أساس الحضارة لكن تماهيهم في تقليد الغرب جعلهم بلا قيمة وجعلهم يفقدون روح حضارتهم التي هي السمة المميزة لهم والأبقى.



تحليل وتقديم مادي لقصة "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -