اقرأ أيضًا

تلخيص كتاب "الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم" لأبو المعالي الجويني

تلخيص الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم

سأقوم في هذا البحث بعمل تلخيص من كتاب "الغياثي" لعبد الملك بن عبد الله الجويني أبو المعالي إمام الحرمين، حيث سيشمل التلخيص من صفحة 21 وحتى صفحة 393، وهذه الجزئية عن الركن الأول "كتاب الإمامة" وهي عبارة عن ثمانية أبواب، وذلك من خلال تلخيص أهم ما جاء في هذه الأبواب من عناصر رئيسية، والله المستعان.


الباب الأول: في وجوب نصب الأئمة وقادة الأمة

إن الإمامة هي رياسة وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهام الدين والدنيا وتقوم بحفظ الحوزة ورعاية الرعية واقامة الدعوة بالحجة والسيف ، واستيفاء الحقوق من الممتنعين وايفاؤها على المستحقين. وإن نصب الإمام عند الإمكان واجب ، ومسبوق بإجماع مذاهب العلماء، أما أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم قدر رأوا البدار لنصب الإمام حقاً فتركوا لسبب التشاغل به تجهيز رسول الله ودفنه عليه الصلاة والسلام خوفا من أن تتغشاهم هاجمة محنة. فإذا تقرر وجوب نصب الإمام، فإن الذي صار اليه جماهير الأئمة أن وجوب النصب مستفاد من الشرع المنقول غير متلقى من قضايا العقول، وهناك بعض الروافض يروا أن العقل يفيد الناظر العلم بوجوب نصب الإمام. وبالرجوع للعقول فإن من الممكن أن يهلك الله الخلائق ويقطعهم في الغوايات ويغمسهم في غمرات الجهالات، ويصرفهم عن مسالك الحقائق، فإن بحكم الله تردى المعتدون وبفضل الله اهتدى المهتدون.


الباب الثاني: في الجهات التي تعين الإمامة وتوجب الزعامة

لقد ثبت النص من الشارع على إمام لم يشك مسلم في وجوب الاتباع على الإجمال لذلك فإن السمع والطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم واجب على كل مسلم باتفاق الجماعة. إن ثبوت الاختيار يستدعي تقديم اثبات الاجتماع على منكريه وتحقيق الغرض فيه صعب المدرك، متوعر المسلك على من لا يدريه ومن يحاوره قبل الاستيثاق بما ينحيه عن ظلمات التيه عسر عليه تلافيه، فإذا لم نجد مسلكا في اثبات الاجماع معقولاً، وأصلا مقطوعاً به في السمع، فما مستند اليقين والقطع بثبوت الإجماع في وضع الشرع، وعلى ذلك فإن معظم الأحكام في الفرق والجمع وإليه استناد المقاييس والعبر.

إن اجماع أهل البصائر على القطع في مسألة مظنونة لا مجال للعقول فيها يستحيل وقوع بدون سبب مقطوع به سمعي، فلو كان سند الإجماع خبرا مثلا مقطوعا به للهج المجمعون بنفله، فلا نبعد أن ينعقد الإجماع عن سبب مقطوع به ثم يقع الاكتفاء بالوفاق ويضرب المجمعون عن نقل السبب لقلة الحاجة اليه. ولقد اتفق المنتمون للإسلام على تفرق المذاهب وتباين المطالب على ثبوت الإمامة، ثم أطبقوا على أن سبيل اثباتها النص أو الاختيار، وقد تحقق بالطرق القاطعة والبراهين بطلان مذاهب أصحاب النصوص، فلا يبقى سوى الحكم بصحة الاختيار.


الباب الثالث: في صفات أهل الحل والعقد واعتبار العدد فيمن اليه العهد

يتضمن هذا الباب فصلين، احدهم في صفات الذين هم من أهل عقد الإمامة، والثاني في تفصيل القوم في عددهم، فقد كثر في أبواب الإمامة الخبط والتخليط والإفراط والتفريط، وهناك فرق كثيرة اسرفت، ولم تسلم طائفة إلا قليل عن مجانبة الإنصاف، وقد هلك أمم في تنكب سنن السداد وتخطي منهج الاقتصاد. إن مسائل الإمامة لا ينبغي أن تطلب من أدلة العقل، بل تعرض على القواطع السمعية، ولا يوجد مطمع في وجدان نص من كتاب الله في تفاصيل الإمامة، والخبر المتواتر معوز أيضاً، فكل مقتضي ألفيناه معتضدا بإجماع السابقين فهو مقطوع به، وكل ما لم يصادف فيه اجماع العلماء اعتقدناه واقعة من أحكام الشرع، وعبارة غالبية الأقوال في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونة في محل التأخي والتحري.

لقد ذهب القاضي الباقلاني في عصب من المحققين الى أن لا يشترط بلوغ العاقد مبلغ المجتهدين، بل يكفي أن يكون ذا عقل وكيس وفضل وهدى لعظائم الأمور، وبصيرة متقدة بمن يصلح للإمامة، وبما يشترك استجماع الإمام له من الصفات. إن مما يقطع به أن الإجماع ليس شرط في عقد الإمامة بالإجماع، والذي يؤكد ذلك أن الغرض من نصب الإمام حفظ الحوزة، والاهتمام بمهمات الإسلام وأهم الأمور التي لا تقبل الريث أو المكث. كما أن الأئمة رضي الله عنهم كما اختلفوا في عدد العاقد اضطربوا في اشتراط حضور الشهود فرأي البعض منهم أن حضور الشاهد ليس شرط ، بينما رأى آخرون أن يلزم حضور الشهود وهذا كان اختيار القاضي أبي بكر رحمه الله.


الباب الرابع: في صفاف الإمام القوام على أهل الإسلام

إن الصفات في الأئمة تنقسم الى عدة أقسام وهي:

1- ما هو متعلق بالحواس: فإن القول بالحوس ذكر ما فيها من الخلاف والوفاق بين الناس ، يوضح الكاتب ما يزيل دواعي الالتباس فيه.

2- ما يتعلق بالأعضاء: وما يرتبط بنقصان الأعضاء فكل ما لا يؤثر عدمه ولا عمل من أعمال الإمامة لا يضر فقده ويجوز على هذا الاعتبار نصب المجبوب.

3- ما يرتبط بالصفات اللازمة: من الصفات اللازمة المعبرة هي الذكورة والحرية والعقل والبلوغ ، ولا حاجة إلى الإطناب في نصب الدلالات على اثبات هذه الصفات.

4- ما يتعلق بالفضائل المكتسبة: إن التقوى والورع لابد منهما حيث لا يوثق بفاسق في الشهادة على فلس، فكيف يولي أمور المسلمين كافة، وأيضاً ضم توقد الرأي في عظائم الأمور، والنظر في مغبات العواقب وهذه الصفة ينتجها العقل ويهذبها التدريب في طريق التجارب.

فإن الهدف العظيم من الإمامة هو جمع شتات الرأي واستتباع رجل أصناف الخلق على اختلاف وتباين ارادتهم واختلاف أخلاقهم وحالاتهم، حيث أن الناس إن لم يكونوا على رأي واحد فلم ينتظم تدبير ولم يتسبب من إيالة الملك قليل أو كثير.


الباب الخامس: في الطوارئ التي توجب الخلع والانخلاع

إن الإسلام هو الأصل والعصام، لذلك إذا فرض انسلال الإمام عن الدين لم يخف انخلاعه، وارتفاع منصبه وانقطاعه، فإذا جدد اسلاماً لم يعد إماما إلا أن يجدد اختياره، ولو جن مجنوناً انخلع، وكذلك لو ظهر في عقله خبل وعته في رأيه، واضطرب نظره كثيراً، وعسر بهذا السبب استقلاله بالأمور، وسقطت نجدته وكفايته، فإنه ينعزل كما ينعزل المجنون، فإن مقصود الإمامة هو القيام بالمهام والنهوض بحفظ الحوزة وضم النشر، وحفظ البلاد الدانية والنائية بالعين الكالئة.

بينما الذي لم يعرف العلماء مدركه ما يوجب التفسيق على الإمام، فلينهم طالب التحصيل في ذلك نظره، وليعظم في نفسه خطره، وليجمع له أفكاره، وقد ذهب طوائف من الأصوليين والفقهاء إلى أن الفسق إذا تحقق طريانه أوجب انخلاع الإمام كالجنون.

ويرى الكاتب أن المصير إلى أن الفسق يتضمن الانعزال والانخلاع بعيد عن التحصيل، فإن التعرض لما يتضمن الفسق في حق من لا تجب عصمته ظاهر الكون في السر وفي العلن، وإنما التقوى ومجانبة الهوى ومخالفة مسالك المنى ، والارعواء عن الوطر المنقود وانتحاء الثواب الموعود والاستمرار على امتثال الأوامر والانزجار عن المناهي والمزاجر وكل ذلك هو البديع.

ومن مهام الإمام عقد الألوية والبنود وجر الجنود ولا يترتب في ديوان المقاتلة إلا أولو النجدة والبأس، وأصحاب النفوس الأبية، ومن شأنه أيضا توزيع الاموال بعد الاستداد في الجباية والجلب، على أهل الشرق والغرب، ولا يخفى على منصف أن اشتراط دوام التقوى يجر قصاراه عسر القيام بالإيالة العظمى.


الباب السادس: في إمامة المفضول

لقد اختلف الخائضون في هذا الفن في امامة المفضول على آراء متباينة ومذاهب متهافتة، ولو ذهبت لتصنيفهم، لنرى أنهم خصلتين وهما:

1- سرد فصل منقول عن كلام المتقدمين مقول، وهذا يتنزل منزلة الاختزال والانتحال، والتشيع لعلوم الأوائل والاغارة على مصنفات الأفاضل، وحق على كل من تتقاضاه قريحته تأليفا وجمعاً وترصيفاً أن يجعل مضمون كتابه امر لا يلفي في مجموع، وغرضاً لا يصادف في تصنيف، ثم إن لم يجد بدا من ذكرها اتي به في معرض التذرع، والتطلع إلى ما هو المقصود والمعمود.

2- والنقطة الأخرى هي اجتناب الإطناب وتنكب الإسهاب في غير مقصود الكتاب، فقد ذهبت طوائف ومنهم الزيدية الى تصحيح عقد الإمامة للمفضول على الإطلاق والإرسال بدون استفصال، والذي يتوجب الوقوف عليه أن الذي يقع التعرض له من الفضل والقول في الفاضل والمفضول، ليس هو على أعلى القدر والمرتبة وارتفاع الدرجة، والتقرب إلى الله تعالى في عمله.

ولقد ذهب معظم المنتمين إلى الأصول من جلة الأئمة إلى أن الإمامة لا تنعقد للمفضول مع امكان العقد للفاضل، ثم تحزب هؤلاء حزبين، وتصدعوا الى اثنين، حيث ذهب فريق إلى أن مدرك ذلك القطع وصار فريق آخر إلى أن المسألة من المظنونات التي لا يتطرق إليها أساليب العقول ولا قواطع الشرع المنقول.


الباب السابع: في نصب إمامين

إذا تيسر نصب إمام اوحد يطبق خطة لإسلام نظره، ويشمل الخليقة على تفاوت مراتبها في مشارق الأرض ومغاربها أثره تعين نصبه، ولم يسغ والحالة هذه نصب إمامين، وهذا متفق عليه، لا يلفى فيه خلاف، ولما استتبت البيعة لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم استمرت الخلافة إلى منقرض زمن الأئمة رضي الله عنهم جميعاً، فهم على الاضطرار من غير حاجة لنقل أخبار من مذاهب المهاجرين والأنصار أن مبنى الإمامة على ألا يتصدى لها إلا فرد، ولا يتعرض لها إلا واحد في الدهر ومن لم يحط بدرك ذلك من شيم العاقدين والذين عقد لهم فهو بعيد الفهم ومستميت الفكر.

ولقد تقرر من دين الأمة قاطبة أن الهدف من الإمامة هو جمع الآراء المشتتة، وارتباط الأهواء المتفاوتة، وليس بالخافي على ذوي البصائر أن الدول إنما تضطرب بتحزب الأمراء، وتفرق الآراء وتجاذب الأهواء ونظام الملك، وقوام الأمر بالإذعان والإقرار لذي رأي ثابت لا يستبد، أو ينفرد، بل أن يستضئ بعقول العقلاء، ويستبين برأي طوائف الحكماء والعلماء، ويستثمر لباب الألباب، فيحصل من انفراده الفائدة العظمي في قطع الاختلاف، ويتحقق باستضاءة استثمار عقول العقلاء.

فإن الغرض الأظهر إذا من الإمامة أن لا يثبت إلا بانفراد الإمام ، وهذا معنى بوضوحه عن الإطناب والإسهاب، مستند إلى الإطباق والاتفاق، حيث داعية التقاطع والتدابر والشقاق ربط الأمور بنظر ناظرين، وتعليق التقدم بأميرين، وإنما تستمر أكناف الممالك برجوع أمراء الأطراف إلى رأي واحد ضابط، ونظر متحد رابط.


الباب الثامن: في تفضيل ما إلى الأئمة والولاة

إذا كان الإمام يجر عساكر الإسلام إلى البغاة، ومانعي الزكاة، وأثر امتناعهم عن الطاعة والخروج عن ربقة الجماعة الى فرع الدين، فما يؤول إلى أصل الدين أولى باعتناء إمام المسلمين، وسنقول ذلك مشروح إن قدر الله عزت قدرته.

وإن تفاقم الأمر وفات استدراكه وعسرت مقاومة ذوي البدع والأهواء، وغلب على الظن أن متسالمتهم وتقريرهم على مذاهبهم وجه الرأي، ولو جاهرهم لتألبوا وتأشبوا، وسلوا أيديهم عن الطاعة، لخرج تدارك الأمور عن الطوق والاستطاعة، وقد يتداعى الأمر إلى تعطيل الثغور في الديار، واستجراء الكفار، فإن كان كذلك لم يظهر ما يخرق حجاب الهيبة ويجر منتهاه عسرا وخيبة.

ولا يخفى على ذي بصيرة أن ما أطلنا القول فيه هو الحيد عن مسلك الحق في قواعد العقائد، فأما اختلاف العلماء في فروع الشريعة، ومسالك التحري والاجتهاد، والتأخي من طريق الظنون، فعلى ذلك درج السلف الصالحون، وانقرض صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكرمون، واختلافهم سبب المباحثة عن أدلة الشريعة، وهو منة من الله تعالى ونعمة.


تلخيص كتاب "الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم" لأبو المعالي الجويني
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -